منتدى الملوك
اهلا وسهلا بك زائرنا الكريم
منتديات الملوك ترحب بك أجمل ترحيب
ونتمنى لك وقتاً سعيداً مليئاً بالحب كما يحبه الله ويرضاه
فأهلاً بك في هذا المنتدى المبارك إن شاء الله
ونرجوا أن تفيد وتستفيد منا
منتدى الملوك
مع تحيات " ادراة المنتدى
✯ ملكة منتدى الملوك✯


ترفيهي اجتماعي تعليمي ابداع تالق تواصل تعارف - مع تحيات : طاقم الادارة : ♥нαɪвατ мαℓєĸ ♥+ ✯ ملكة منتدى الملوك✯ +! ! آلأميرة »°♡
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول
<الســلام عليكم ورحمة الله , عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة منتَدَاكمً مُنتَدَى الملوك يُرَحبُ بكـُمً .. إنً كنتَ تَرغَب في الإنضمَامً إلى أسًرَة المنتَدَى سَنتَشَرَفُ بتَسًجيلَكَ .. فَمرُحَبا بالزَائرينَ , وَ العَابرينَ , وَ الأصدقَاء , واَ لأعضَاءَ , بالطَيبينَ وَ الطَيبَات .. وَ بكًل مَن يَثًرَى , أوً تَثُرَى المًنتَدَى بالحِوَارً , وَ المُنَاقَشةَ , وَ المسَاهَمَاتً المُفيدَةَ .. فَلَيًسَ للبُخَلاَء بالمَعرفَة مَكَانُُ هُنَا ..سَاهمَ / سَاهٍمي بكَلمَة طَيبَة , أوً مَقَالً , أوً لَوًحَة , أوً قَصيدَة , أوً فِكرَة , أوً رَأي , أوً خْبرَة تَدفَعً حَيَاتُنَا للأمَامً ... تحيَآت إدَارَة منتَدَى الملوك ")
لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 N3u5p1

شاطر
 

 لماذا ارى ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
وسن محمد
عضو نشيط
عضو نشيط
وسن محمد

ٱلبّـلـدُ : اليمن
ٱلجَــنٌسً : انثى
عـ,ـدد آلـمـسـ,ـآهـ,ـمــآت : 207
تـ,ـآريـخ آلـتـسـجـيـ,ـل : 13/01/2016

لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: لماذا ارى ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري    لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Emptyالثلاثاء يناير 26, 2016 7:41 am

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 I_2774ad6a635

السلام عليكم  ورحمة الله وبركاتهـ....


كيفكم ياملوووك ؟؟!!


اليوم حبيت اقدم لكم روواية...


قريتها واعجبتني كثر ..


<طبعاً أنا اعشق قراءة الروايات والقصص >


المهم ماطول عليكم ...


رح نزلكم اياها بارتات ..


هي طبعاً كاملة بس عشان  التشويق  :ضصثقبقسث:


ههههه ووقت نزولها على حسب فراغي ...


< بس اهم شيء بدون غش وتقرأونها من مكان ثاني  :اليب:>


.....
...
..
.
:قث4صث: الرواية  :قث4صث:


بدون زيادة ولانقصان كما وضعت من قبل الكاتبهـ  

فلنبدأ ..




السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ..

.
.
منذ فترة ليست ببعيدة أصبحت شغوفة بالقراءة بشكل لا يصدق , و لم أكتفي بذلك فحسب , بل أصبحت عاشقة للكتابة .. و لذلك أتـــــــ♥️̨̥̬̩ــــيـــت♥️̨̥̬̩ لكم , محملة بما كتبته و متفائلة بحجم السماء أنها ستحوذ على إعجابكم ..

منتديات .... كانَـَY̷̳̜̩O̷̳̜̩U̷̳̜̩ـَتَ الأفضل و لازالت , و لذلك اخترتها لتكون المنزل لروايتي , التي لن أضحي بوضعها في مكان غير لائق لها ..

و أتمنى من كل قلبي أن أرى قراء و متابعين و متفاعلين ..

روايتي اسمها : انعكاس مشوّب .. و ستلاحظون بشكل غريب أنها رواية مختلفة جدًا عن الروايات التي تُنشر على الانَـَY̷̳̜̩O̷̳̜̩U̷̳̜̩ـَتَرنت حاليًا .. إنها نوعًا ما رجالية ..
و أنا لست من عشاق الكتابات العاطفية و الغزلية ..
لذلك روايتي هي لأؤلئك الذين يعشقون الحماس و التشويق بعيدًا عن العواطف ..


و أود التنويه من البداية : أن موعد نزول الأجزاء , سيكون يوم الجمعة .. إما صباحًا أو مساءً ..
حتى نكون على وضوح من البداية لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Msn%20(2)


(( و أرجو من أعماق قلبي أن لا تشغلكم الرواية أو الروايات الأخرى عن حياتكم الواقعية و عن عباداتكم .. ))



:543ص2ثص: دمتم  بخير  :543ص2ثص:  


عدل سابقا من قبل وسن محمد في الإثنين فبراير 22, 2016 4:16 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

كاتب الموضوعرسالة
وسن محمد
عضو نشيط
عضو نشيط
وسن محمد

ٱلبّـلـدُ : اليمن
ٱلجَــنٌسً : انثى
عـ,ـدد آلـمـسـ,ـآهـ,ـمــآت : 207
تـ,ـآريـخ آلـتـسـجـيـ,ـل : 13/01/2016

لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: لماذا ارى ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري    لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Emptyالإثنين فبراير 22, 2016 2:27 pm


الفصل الخامس عشر 15 :





6:56 م – جنوب الرياض 


يتراجع إلى الخلف ببطء آخذًا السكين معه مجددًا و واضعًا إياها في جيبه , لاحظ تقلُّب عبدالرحمن بانزعاج ..

عاود الجلوس على الكرسي محدّثًا نفسه بأن انزعاج عبدالرحمن لم يكن سوى قطرة من بحر !! ..

قام بتمرير سبابته على باطن ذراعه اليسرى , محدقًا إلى تلك البقع التي بدأ لونها الداكن يخف تدريجيًا .. تذكر تلك الإبر الصغيرة النحيلة , و كيف أن مفعولها يعاكس حجمها تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا .. تلك الإبر التي تجعله يدخل في حالة من النشوة و الخمول القاتلين ! ..

لم يتوقع يومًا بأن ينتهي به المطاف معزولًا و منسيًا بجانب إدمانه للمخدرات بشكلٍ لا محدود , و أن تصبح هذه المساحيق البيضاء و الإبر الرفيعة جزءً من ممارساته اليومية الأساسية , كالأكل و الشرب تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا ! ..

لم يستطع نسيان تلك الليالي القديمة البعيدة .. تلك التي أوصلته إلى ما هو عليه .. قبل 30 عامًا , و عندما كان في السابعة عشرة فقط , قرر بتصرفات متهورة أن يجعل حياته تأخذ منعطفًا خطيرًا و أبديًا ..

كان شابًا ناضجًا بقامةٍ طويلة و جسدٍ حيوي للغاية , جانبًا إلى بشرته الحنطيّة و ملامحه الوسيمة التي ورثها من والدته المتوفاة .. و بعينين حادتيّن للغاية بلونها الفاتح الذي يُجبِر الجميع على التحديق إليها لوهلة من الزمن .. 

في إحدى الليالي - والتي تشابه التي قبلها - خرج من المنزل لوقتٍ متأخر دون علم والده الصارم قاسي الطباع .. شعر بالسعادة و هو يكرر اختراق إحدى أهم القواعد التي وضعها والده : لا خروج من المنزل بعد الساعة التاسعة مساءً ! ..

كان كثير التساؤل حول تصرفات والده القاسية , و مع كل مرة يتواجه فيها معه و يحتدّ النقاش , كان يدعو لوالدته بالرحمة سرًا .. فمنذ رحيلها عن الدنيا و والده لا يتعامل معه و مع إخوته سوى بالصرامة و الحزم , ظنًا منه بأن المنزل سينضبط بهذا الأسلوب و أنه سيتمكن من أخذ دور الأب و الأم في آن واحد ! , بعدما كان شديد الاتكال على زوجته اللطيفة , قررت هي تركهم و التحليق عاليًا بروحها الطاهرة .. 

مشى فيصل الشاب نحو إحدى الاستراحات التي كان يتردد إليها مؤخرًا , بعدما تسلل من المنزل بنجاح , جلس مع أصحابه و قضوا الليل كاملًا بلعب الأوراق و التدخين , بينما البعض منهم كان يشاهد المباريات الدورية بصحبة شيشة طويلة يملأ دخّانها المكان بأكمله ..

و مع اقتراب وقت الفجر كل يوم , يكون فيصل قد استلقى بخمول و كسل شديدين بعدما امتلأ أنفه و فمه بمسحوقٍ أبيض كان يزوده به أحد أصحابه .. 

و في كل مرة كان يدفع نفسه للنهوض بصعوبة متوجهًا لصلاة الفجر قبل حضور والده .. و في كل مرة كان ينجو من كشف أمره , و يعيد الكرّة في اليوم التالي ..! 

أيقظ فيصل نفسه من ذكريات المراهقة السيئة .. هامسًا لنفسه :" كم كان الطيش يملأني ! .. و ذاك الشعور بعد التعاطي .. لم يكن يعادله شعور أبدًا .. و لكن المشاعر التي كانت تُسعِدُني قتلتني .. يا للسخرية! .. "

نظر إلى الساعة المشيرة للسابعة مساءً .. أخذ هاتف عادل و أعلن عن الموقع الثاني من هذه السلسلة المنهكة لبدر ... 



**********



أمسك بهاتفه الذي أصدر تنبيهًا على وجود تغريدة جديدة بينما كان يتخطى السيارات بسرعة , كان الآلام في رأسه تزداد كل ثانية , و هو يجهل إن كان سيقدر على إكمال مسيرة البحث أم أنه سيفقد قِواه أمام كل هذه الفوضى .. !

قرأ التغريدة المشيرة للموقع الثاني مرارًا و هو يبحث في لوحات الطرق عن أقرب طريق يوصله إلى الموقع , و مع مرور الوقت كان بدر يفكر بجديّة حول أمر العقيد سيف , هل يخبره عن الأمر ليكسبه في صفّه ؟! .. أم يستمر في البحث لوحده و يتخلص من المغلفات ثم يُطلِعهُ على الأمر ؟! .. 

كان بدر في أوّج حيرته و هو يفكر في ذلك :" العقيد إن علِم عن حقيقة الأمر فستكون مساعدته كبيرة جدًا , و لكن ماذا إذا استعان بأفراد الشرطة ؟! و نفّذ ذاك المعتوه تهديده بشأن قتل والدي ؟! .. لا يمكن التكهن بما سيفعله أو ما يخفيه .. يبدو بأنني سأمضي في الصمت و أتجاهل أمر العقيد و آخذ حذري , و عندما ينتهي كل هذا و يتحرر والدي سأخبرهم عن كل شيء , و لكن ليس الآن .. "

كانت الطرقات تزداد ازدحامًا مع مرور الوقت , حيث تزيّنت الكثير من الشوارع و المركبات بالأعلام الخضراء و العبارات الوطنية , فيما توقف بعض الشبّان في وسط الطريق مسببين إعاقة كبيرة في السير , وذلك لينزلوا و يبدؤا بالرقص على أنغام تلك الأغاني الوطنية التي تصدح من سياراتهم , متفاخرين بكمية الاستهتار الهائلة التي يمتلكونها و يجعلون الجميع يتوقف بسببها !! .

ظل بدر عالقًا في السير لمدّة 15 دقيقة تقريبًا و وهو على وشك أن ينفجر غيظًا من تلك الممارسات الحمقاء , و لكنه يلوم في المقام الأول فيصل , الذي اختار هذا اليوم الغير اعتياديّ ليمارس فيه حماقاته و تهديده ! ..

كاد بدر أن ينزل و يكمل سيره مشيًا على الأقدام , و لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة عندما بدأت تمشي السيارات بشكل عمليّ .. اقترب بدر من المخرج الذي سيوصله للموقع و سرعان ما اجتازه بسهولة و هو يشق طريقه بسرعة .. فهو قد استوعب تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا أنه من اللحظة التي يُعلن فيها فيصل عن الموقع , سيكون المغلف في خطر حتى يجده , أو أنه سيقع في الأيدي الخاطئة و يحصل ما لا يُحمد عقباه ! . أزال بدر شماغه عن وجهه وهو يضعه على كتفه بعدما بدأ يتعرق بكثرة , كان يقترب أكثر من الموقع الثاني , و قد تمكن أخيرًا من الوصول خلال ثلث ساعة , ركن سيارته بالقرب من الموقع المذكور و غطى فمه و أنفه مرة أخرى بشماغه و هو ينزل و يكمل المشي على الأقدام . كان يتلفّت في جميع الجهات و يبحث بعينيه عن أي شيء مثير للغرابة .. و فجأة و دون سابق إنذار , لمح شابّان يمشيان نحو بعضها فيما كان أحدهم يحمل مغلفًا أبيضًا بين يديه و قد علَت على وجهه ابتسامة انتصار !! .

ظل بدر يحدق في ذاك المغلف غير مصدقًا عيناه , لقد حصل بالضبط ما كان يخشاه , و هو وقوع المغلف في أيدي صغار طائشين .. 

علِم أنه يمتلك أقل من دقيقة فقط ليستعيد المغلف منهم بأكبر قدر من السرعة و الدهاء ! .. و إلا ستضيع تلك السمعة الثمينة , و ثقة الجميع و احترامهم .. 



**********



اقتربت سيارته البيضاء من الموقع فركنها و نزل وهو يدور بعينيه على أرجاء المكان ..


(( حي الروضة , تقاطع شارع عبادة بن الصامت و شارع الأمير فهد بن جلوي .. )) 


كان العقيد راكنًا سيارته عند محل حلـِۈۋ‏ۈۋ‏ى شهير , بينما بدر كانت سيارته مركونة في الجهة الأخرى للمحل , مشى العقيد مسافة قصيرة عندما لفت نظره ثلاث شبّان يبدو أنهم على خلاف , وقف وهو ينظر إليهم و قد استغرب أن أحدهم كان يغطي وجهه بشماغ أحمر و يبدو منفعلًا للغاية ..! 

بدأ العقيد يقترب منهم بهدوء حين اشتبكوا في شجار بينهم فجأة .. كانا شابيّن مقابل واحد .. بدأوا بتوجيه الركلات إلى بعضهم و اللكمات أيضًا .. و كان الشاب ذو الوجه المغطى يبدو و كأنه يريد انتزاع شيء منهم .. قال أحدهم للآخر :" خذ المغلف و توجه إلى السيارة , سأتدبر أمر هذا السافل لوحدي ". و ما أن همّ الآخر بالرحيل و تنفيذ ما طُلِب منه , حتى قام الشاب مغطى الوجه بالركض خلفه و إسقاطه أرضًا , داس على يده التي تحمل المغلف بقوة و انتزعه بسرعة , و لكن الشاب الذي خلفه هاجمه و قام بنزع الشماغ عن وجهه بقوة و كشف هويته .. و ضربه على فمه ثم دفعه أرضًا بشدّة .. 

فتح العقيد عيناه بصدمة و هو يحدق في وجه بدر و قد نزفت شفته السفلية بغزارة .. ركض العقيد نحوهم صارخًا :" بدر , توقف مكانك , بدر "..

التفت الشابان إلى العقيد سيف , فاستغل بدر انشغالهما و أخذ المغلف من الأرض و فر هاربًا بسرعة .. أمر العقيد الشابان بغضب :" أوقفوه حالًا , هيّا , لا تدعوه يهرب .. "

نظر الشابان خلفهما فلم يجدا أحد , فقد كان بدر يحاول عبور الشارع و قد استاء السائقون و الركّاب بشدة منه و قد كادوا يدهسونه بسياراتهم .. عَبَر الشارع الأول و ذهب إلى الثاني , توقف أمام سيارة أجرة يقودها رجل آسيوي كبير بالسن , فتح بدر باب السائق بعنف و سحبه إلى الخارج دافعًا إياه على الأرض .. و ركب تلك السيارة و لاذ بالفرار بأقصى سرعته , كان العقيد يلاحقه بسيارته هو الآخر , و لكن بدر أخذ منعطفًا مفاجئً و قد اختفى فجأة داخل أحد الأحياء السكنية المظلمة و الهادئة ..

ظل العقيد يمشي في أنحاء الحي بحثًا عن بدر و لكن لا أثر له , بينما خرج بدر من ذاك الحي بعد دقائق و قد غطّى وجهه بإحكام و توقف بجانب إحدى محطات تعبئة الوقود .

أمر العامل بتعبئة خزّان الوقود بالكامل , و نزل هو متوجهًا إلى قسم تصليح السيارات , خفف من تغطية وجهه و توجه نحو حقيبة موضوعة على جانب أحد السيارات المعطلة , كانت الحقيبة مفتوحة و مملوءة بأدوات و معدّات التصليح , قام بأخذ مفتاح صغير للمسامير دون أن يلاحظه أحد , و عاد باتجاه سيارة الأجرة و مشى بعدما أعطى العامل مبلغًا كبيرًا من المال و طالبًا منه أن يحتفظ بالباقي .

مشى نحو إحدى الأحياء السكنية البعيدة بعض الشيء و هو يمشي بهدوء و يتوقف بجانب أحد المنازل المظلمة , نزل متوجهًا إلى خلفية السيارة و قد حمل معه مفتاح المسامير , نظر إلى لوحة السيارة بسرعة و قام بفك مساميرها و التخلص من اللوحات الأمامية كذلك , كان يعي تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا أنه سيكون ملاحقًا من قِبَل الشرطة لسرقته السيارة , و لكنه كان يردد في نفسه :" الغاية تبرر الوسيلة "..

ركب السيارة بعدما رمى باللوحات في القمامة , و جلس و هو يُخرج المغلف الثاني من جيبه الأيمن , فتحه بسرعة و سحب الصور التي بالداخل .. 

كانت عبارة عن نُسَخ طِبق الأصل من تلك التي في المغلف الأول , أربعة صور مختلفة و وضيعة و الثابت فيها هو والده . 

تذكر اللحظة التي لمح فيها الشابّان الصغيران - و قد كانا في الثامنة عشر تقريبًا - و هما ينظران إلى المغلف بتفحّص , لقد كادا أن يفتحاه عندما أتى بدر إليهم مسرعًا و قال :" عذرًا و لكن .. هذا المغلف لي "

قال الشاب الأول :" لا , إنه لنا .. لقد أعلن عادل سليمان عن وجود مغلف في هذه المنطقة .. و قد حصلنا عليه , هيّا اذهب من هنا "

بدأ بدر بمحاولة اختلاق كذبة مُقنعة , و قد قال بصوت واثق يشوبه بعض الغضب :" في الواقع هذا المغلف لي , لقد طار مع الهواء عندما كنت أضعه على مقدمة سيارتي .. المغلف الذي أعلن عنه عادل كان قد وجده بعض الأشخاص , لقد قال عادل ذلك على صفحته في ( تويتر ) .. يمكنكما التأكد من ذلك , و الآن هل بإمكاني استعادة مغلفي "..

نظر الشاب إلى صاحبه بإحراج , ثم أعطى بدر المغلف قائلًا :" نحن آسفان بشأن هذا , عذرًا .. "

ابتسم بدر بانتصار و هو يأخذه و يمشي عائدًا إلى سيارته و يلتفت إليهما بتوتر .. و لكن الشاب الآخر قال مستغربًا :" عذرًا و لكن .. لماذا تغطي وجهك بهذا الشكل ؟! "..

سمع بدر ما قاله و هو يسرع بالمشي , انتاب الشابان الشك بأنه كاذب , فلحقاه بسرعة و هما يسحبان المغلف منه بعنف .. أدرك بدر أن الكذب لن ينفع في هذا الموقف , و أنه لا مفر منهما سوى بالقوة .. فقرر استخدام العنف و الشجار للمرة الأولى في حياته على الرغم من طِباعه المسالمة .. 

رنّ هاتفه فجأة و قد شق الصمت الذي غرق به , رفع هاتفه و كان العقيد هو المتصل , تردد كثيرًا في الرد و لكنه ترك الهاتف جانبًا و تجاهل الاتصال .. 

كان عقله مشغولًا بعبدالرحمن بشكل لا يُصدق , حاول الاتصال عليه و لكن .. لا رد !!

رن هاتفه مرة أخرى و كان العقيد , سحب بدر نفسًا عميقًا و هو يرفع كتفيه و يخفضهما ليزيل توتره .. و قرر بذلك الرد على العقيد لعله يتفهّم الموقف ..

أتى صوت العقيد سيف غاضبًا و متجهمًا إثر تصرفات بدر :" ما الذي تحاول فعله ؟! .. إن هروبك و اختلاقك للمشاكل بهذا الشكل يجعلك المشتبه به الأول فيما يحصل لوالدك .. أتعلم ذلك ؟! .. "

" عقيد سيف , إن سلامة والدي مرهونة بصمتي , أتعرف ما يَعّنُـــ(•̃͡-̮•̃͡)ــيْه ذلك ؟! .. أية حرف أو كلمة سأقولها لك ستعرض حياة والدي للخطر .. إن مُختَطِفُه جاد جدًا , جاد بشأن كل ما يفعله .. اعذرني على ما سأضطر لفعله في الساعات القادمة , فإن الغاية تبرر الوسيلة .. عندما ينتهي كل شيء أعدك بأن أعطيك شرحًا وافيًا لهذه المهزلة .. و لكن ليس في الوقت الراهن .. في الواقع أريد منك أن تسدي خدمة إلي "..

" و ما الذي سيدفعني لتقديم أي خدمات إليك ؟! .. "

" لأن هذه الخدمة هي ما ستبقي والدي على قيد الحياة .. أريد منك عدم إبلاغ أي وحدات أمنية عمّا يحصل .. أو اللجوء لأفراد الشرطة لملاحقتي .. أيمكنك فعل ذلك ؟! "..

" أستطيع تتبع هذه المكالمة و معرفة موقعك .. و لكنني لن أفعل .. فأنا أصدقك جزئيًا .. لقد رأيت عيناك عندما أخبرتك بشأن فقدان والدك .. و تلك النظرات التائهة التي اكتست عيناك لا يمكن أن تكون تمثيلًا .. لقد قضيت كل سنوات عمري في هذا العمل .. و أستطيع تمييز الصادق مِنَ الكاذب .. لذلك أنا اختار أن أُصدقك و أعرض عليك إخباري بما يحصل يا بدر .. إن أنا صدّقتك فغيري لن يفعل ذلك .. "

" أنا آسف , حقًا آسف .. أتمنى لو أستطيع أن أكون عند حسن ظنك و لكن لن أستطيع إخبارك عن أي شيء .. سأفعل كل ما في وِسعي في هذه الساعات و أرى كيف سينتهي الأمر , بعد ذلك سأعطيك زمام الأمور بالكامل .. و لكن ليس الآن و ليس في هذه اللحظة .. "

أغلق بدر هاتفه بسرعة دون سماع الرد , و نظر إلى الساعة المشيرة إلى السابعة و أربعون دقيقة .. لقد استغرق وقتًا طويلًا ليتمكن من الفرار من العقيد و جعله يضيع في وسط الأحياء .. أعاد ظهره بإرهاق شديد وهو يتأوه بتعب .. يتمنى لو يستطيع أن يشتكي و يخبر أحدًا عمّا يحصل .. كم يتمنى لو بإمكانه إخبار الشرطة عن كل هذا و إنقاذ والده خلال دقائق , كان يفكر كثيرًا بتجاهل تهديد فيصل و اللجوء إلى الشرطة و لكنه لا يستطيع التنبؤ بما سيفعله فيصل عندما يعلم .. لن يضحي بوالده و يستدعي الشرطة بسبب لحظات عابرة من الإرهاق و الألم المفرطان .

قرر الاستمرار لوحده في كل هذا , و لا يزال عقله غير قادر على استيعاب كل هذه الأحداث التي حصلت خلال يوم واحد فقط , لقد فقد والده يوم أمس و ذهب إلى الخرج صباح هذا اليوم , التقى بعبدالرحمن و عاد بصحبته إلى الرياض و سرعان ما بدأ الإعلان عن تلك المواقع التي كانت تحمل له أسوأ الأسرار على الإطلاق .. 

أخذه تفكيره إلى عبدالرحمن و قرر الاتصال به للمرة الألف ! .. و قد كان الأمل في قلبه يتلاشى مع كل مرة لا يجيب فيها ذاك .. 

و لكن بدر تفاجأ عندما رُفع هاتف عبدالرحمن .. قال بدر بتردد :" عبدالرحمن , أتسمعني ؟! أين كنت يا رجل ؟! .. لقد قلقت جدًا بشأنك , كيف لك أن تختفي فجأة هكذا ؟ .. أأنت بخير ؟! .. "

لم يكن في الطرف الآخر سوى صوت أنفاس منتظمة .. و هدوء تام , كما لو أنه في مكان معزول تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا ..

استغرب بدر تجاهل عبدالرحمن له :" عبدالرحمن ما بِك أجِبني ؟! "..

" لِمَ أنت قلِقٌ إلى هذا الحد على عبدالرحمن ؟! "..

لم يكن ذاك صوت عبدالرحمن , و لكن بدر استطاع تمييزه على الفور ! ..

" أنت ؟! .. كيف وصل هاتف عبدالرحمن إليك ؟! "..

" أنا لا أمتلك هاتفه فقط , بل عبدالرحمن بأكمله في ضيافتي الآن .. "

تلفت أعصاب بدر تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا من تصرفات هذا المعتوه , صرخ بدر قائلًا :" أيها المريض الحقير , ماذا فعلت به ؟! .. أختطفته هو الآخر ؟! .. إن ما بيننا متعلق بوالدي فقط , ليس لعبدالرحمن شأن فيه .. إياك و أن تلمس شعرة منه أهذا واضح ؟! .. "

قال فيصل بهدوء :" أنا لست مريضًا حقيرًا , أنا فيصل , أما بشأن عبدالرحمن , فأنا لم اختطفه أبدًا , و إياك أن تدافع عنه و تهددني من أجله .. لأنك ستشكرني على ذلك يومًا ما ! .. "

" أشكرك ؟! .. لا علاقة لعبدالرحمن فيما بيننا , ضعه خارج الموضوع .. "

" انس أمر هذا البدين و أخبرني ؟ كيف تسير الأمور مع المغلفات ؟! "..

" إنها مزيّفة , أنا متأكد .. لم يكن والدي ماجنًا يومًا "..

" و لم هذه الثقة العمياء ؟ .. هذه الثقة ستوقعك في المصائب صدقني .. "

" مصيبتي الوحيدة هي أنت ! .. ماذا تريد ؟! .. لنفترض أنني وجدت جميع المغلفات , ماذا سيحدث بعدها ؟! لنفترض أنك استطعت اقناعي أن الصور حقيقة و أن والدي ماجنًا فعلًا .. ما شأن الجميع ليعرفوا هذا أيضًا ؟! .. لا أكترث إن فقد الجميع ثقتهم بوالدي و لم يعودوا ليحترموه , لا أكترث بشأن هذا أبدًا .. كل ما أكترث له هو استعادة والدي " ..

" و لم أنت غاضب لهذا الحد ؟! .. إن هذا اليوم الحافل فوائده عائدة إليك .. انظر للأمر من هذا المنظور , ستفقد بعض الكيلوجرامات إثر البحث و المشي الطويل " ضحك فيصل بشكل مُستفِز للغاية ..

صمت بدر لعدة ثواني ثم قال :" ماذا فعَل ؟! "

استغرب فيصل السؤال :" مَن تقصد ؟! "..

" أقصد والدي , ماذا فعل لك لتقوم بهذا كله ؟! "..

" عندما تستعيده بسلام , يمكنك سؤاله عن ذلك .. " أغلق فيصل الهاتف و أعاده إلى عبدالرحمن الذي نهض من نومه عند انتهاء الاتصال .. 

" من كان ذا ؟! "..

" إنه بدر , لا عليك لقد تخلصت منه .. "

" شكرًا , لقد كنت أفكر في عُذر مُقنِع لغيابي .. كما أنني لن أتمكن من الاستمرار بالتظاهر معه و كأنني أكترث لشأنه "..

" و لكنك تظاهرت كثيرًا مع عادل أليس كذلك ؟! .. لأكثر من 28 عامًا و أنت تتظاهر "..

" أنا أفعل ذلك من أجلك , لقد أخبرتك مسبقًا بأنني سأفعل كل ما في وِسعي لأجلك "..

ابتسم فيصل وهو يحدق في عيني عبدالرحمن باستغراق , قال هامسًا :" لقد فعلت كل شيء لأجلي , لا أعرف كيف أشكرك حق الشكر .. أنت أعز من الأخ بالنسبة لي أتعلم هذا ؟! "..

" لا داعي لهذه الرسميات أرجوك , إن كنت تريد شكري حقًا, فعليك أن تُحسن التصرف بكل شيء أعطيتك إياه , أريد منك تحقيق ما كنت تنويه لعادل , و كل ما خططنا لسنين من أجله .. اتفقنا ؟ "

هز فيصل رأسه بالإيجاب , كان يتنفس بعمق و هو يرفع رأسه لأعلى قائلًا :" دعني أسألك عن أمر ما ! .. "

نهض فيصل و هو يشعل سيجارة و يضمها بين شفتيه , و أكمل قائلًا :" لا أريدك أن تغضب من سؤالي و لكن .. لماذا تقف معي ضد عادل و ابنه ؟! .. أعني بأنني أنا الذي عانيّت منه و كانت المشكلة بيننا نحن الاثنان .. لماذا اخترت الوقوف بصفي ضده ؟! "..

عاد عبدالرحمن للاستلقاء مرة أخرى على الأريكة , واضعًا ذراعه على رأسه , ثم قال :" دعنّي أخبرك شيئًا , على الرغم من أنك كنت مدمن في صغرك , و كنت في مشاكل عويصة فعلًا , إلا أنني لم أقدر على تركك تخوض في هذا الجحيم لوحدك .. أنت لم تكن أنت على حق دومًا , ولنكن صريحين بعض الشيء , لقد أخطأت كثيرًا في حياتك يا فيصل , لقد أوشكت على الموت بسبب ما كنت تتعاطاه , و لكن بالرغم من ذلك , لم أستطع أن أدير لك ظهري و أرحل , لم أستطع رؤية الجميع ينفضّون من حولك لتبقى وحيدًا , أنا معك بالرغم من عيوبك , و أنا لا أكترث بشأن العيوب لأنني لم أعد أراها .. أما عادل فخطيئته الوحيدة هي الجحود , إنها خطيئة لا تغتفر أبدًا "..

استند فيصل إلى الجدار و أكمل التدخين و كلام عبدالرحمن يدور في ذهنه , لاحظ عبدالرحمن أن فيصل قد بدأت تضيق ملامحه و كأنه مستاء من أمر ما ..

نهض عبدالرحمن و توجه إليه وهو يحاول تلطيف الجو :" لماذا لا أبحث لك عن زوجة ؟! "..

اتسعت ابتسامة فيصل و رد قائلًا :" لماذا لا تعود إلى النوم أرجوك ؟! "..

" أنا محق , لماذا لا تتزوج ؟! .. إنك لازلت تتمتع بالصحة و اللياقة , كما أن وجهك القاسي و ملامحك المتجهمة دومًا هي مطالب الفتيات في هذا الزمن "..

" حقًا ؟! .. و لِمَ قد ترغب الفتيات برجلٍ قاسٍ ؟! يا للحماقة !! "..

" لا أعلم , إن الفتيات مخلوقات بعقليات غريبة فعلًا "..

" دعنا لا نخوض في هذا الحديث الآن , فأنا لم أتحدث مع أنثى منذ عقود "..



**********



7:45 م 



جالسًا في سيارته أمام أحد المحلّات التجارية و بالقرب من الموقع الثالث , و هو يستعيد تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا كيف دخل إلى هذا المنعطف الخطير في حياته ..

" لقد بدأ الأمر بأكمله قبل عدة أشهر , 9 أشهر على ما يبدو , لا أتذكر جيدًا , كنت أمارس عملي باعتيادية تامّة , أجلس على مكتبي بالقرب من باب مكتب عادل , أكتب له جداول أعماله الأسبوعية , أراجع بعض الأوراق معه , و أستقبل ضيوفه كل يوم و أطلب منهم الانتظار حتى ينهي عادل اجتماعه , كانت هذه أعمالي كسكرتير خاص و بعض الأعمال الجانبية الأخرى , أُغادر المكتب في العاشرة مساءً كل يوم و قد أنهكني العمل تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا , و لكن عِوضًا عن الذهاب إلى المنزل للنوم , كنت أتجه لأصحابي في إحدى الاستراحات القريبة من جنوب الرياض .. 

كنّا قد اتفقنا على استأجارها لسنة كاملة و المجيء إليها بعدما يخرج كل منا من عمله , ذهبت إليهم و قد ملأ النوم عيناي ولكنني استطعت المقاومة , جلسنا سوية لبضع ساعات .. و عندما قاربت الساعة من الواحدة صباحًا كنا قد انهينا لعب الورق و اتفقت مع أحد الشباب المتواجدين للخروج و البحث عن مطعم مفتوح إلى هذا الوقت المتأخر .. توقف صاحبي بالقرب من أحد المطاعم المجاور لعمارة سكنية قديمة , نزل هو لطلب الطعام و أنا بقيت لانتظاره .

ولكن استوقفني أمر غريب بعض الشيء , كان أمام تلك العمارة سيارة مركونة أعرفها جيدًا , و عرفت لوحاتها و استطعت تذكر صاحبها على الفور , كانت تلك سيارة عبدالرحمن صاحب عادل منذ الطفولة , لقد كان في زيارة لمدة 3 أيام في الرياض , كان قد زارنا في المكتب مغرب اليوم السابق و قد جلس مع عادل يحتسي القهوة العربية و يتناقل أطراف الأحاديث معه , كان دائم الزيارة لنا , مرة كل شهر تقريبًا .. و كنت على علاقة جيدة و سطحية معه .. و لكن أثار فضولي حقًا وجود سيارته في هذا المكان و هذا الوقت , فهو لا يسكن هنا بل في منزل صغير يملكه هنا في الرياض , يبات فيه حتى وقت رجوعه للخرج .

حاولت تجاهل الأمر حتى رأيته خارجًا من تلك العمارة بهيئة غريبة فعلًا , فقد كان يغطي وجهه بشماغه , و لكني عرفته على الفور من عيناه و بنية جسده , و قد تزامن خروجه مع خروج صاحبي من المطعم و الجلوس بجانبي , كان صاحبي دائم المجيء إلى هذه المنطقة و هو يعرفها و يعرف معظم سكان هذا الحي , سألته و أنا أشير نحو سيارة عبدالرحمن :" غانم , هل تعرف هذا الرجل ؟! "..

نظر غانم إلى السيارة و أجابني على الفور و هو يعود بالسيارة إلى الوراء :" نعم , أنا لا أعرفه شخصيًا و لكنّي أراه معظم الوقت هنا .. "

" معظم الوقت , ماذا تعني ؟! .. أنا أعرف هذا الرجل إنه يدعى عبدالرحمن و هو من سكان الخرج , إنه لا يأتي إلى هنا سوى مرة في الشهر , يمكث لـ 3 أيام ثم يعود , و ليس لمعظم الوقت كما تقول ! "..

" لا أعلم يا سلطان , و لكني أرى هذه السيارة و هذا الرجل نفسه كثيرًا , كل يومان تقريبًا "..

هززت رأسي و أنا شارد تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا في الوضع , لِمَ قد يأتي عبدالرحمن إلى هذه العمارة المتهالكة ؟! و ماذا يفعل في هذا الوقت ؟! .. لقد كان الفضول يكبر في داخلي يومًا بعد يوم إلى أن عرفت ما يحصل بالضبط ! ..

لقد قررت الصبر و الانتظار حتى يتضح الأمر لوحده و لكن لم يظهر شيء , و أنا لم أستطع الصبر أكثر , كنت أتصل على غانم كل يوم تقريبًا و أسأله إن كان لا يزال يرى تلك السيارة و ذاك الرجل نفسه , و كان جوابه دائمًا : نعم , إنه هناك ! .. 

أخبرني غانم أنه يراه في وقت الليل فقط , ربما بين الساعة الحادية عشر مساءً و الثانية صباحًا . كان يسألني كثيرًا لِمَ أنا مهتم جدًا بشأنه فأجبته قائلًا :" لأن عادل كان دائم السؤال عنه و عن الوقت الذي سيأتي فيه إلى الرياض , و لكن ذاك كان يرد دائمًا بأنه سيأتي الشهر المقبل , فجدوله مليء بالأعمال ولا يمكنه تأجيلها !! .."

" و لِمَ أنت قلق إلى هذا الحد ؟! .. ربما كان أحد أقاربه يسكن هناك أو ربما صديق له ؟! "..

" و لكن في المرة التي رأيته فيها كان مغطيًا وجهه , لم قد يفعل ذلك إن كان في زيارة عادية ؟! "..

" إنه يغطي وجهه دائمًا وليس تلك المرة فقط "..

" أرأيت ؟! .. إن الوضع مثير للغرابة , شيء غير طبيعي يحصل هناك أنا متأكد ! .. "


و بعد الذي عرفته عن عبدالرحمن و زياراته السريّة إلى جنوب الرياض , قررت اللحاق به و رؤية ما يحصل بالضبط !! ..

أخبرت أصحابي في تلك الليلة أنني لن أستطيع الذهاب إليهم بسبب مرض ابنتي الصغيرة , يا للحماقة ! .. لقد ادعيّت مرض تلك الصغيرة المسكينة حنين , كنت أستحق لقب أسوأ والد على الإطلاق !! ..

قررت الذهاب إلى تلك العمارة السكنية و ركن سيارتي بعيدًا عنها لإبعاد أي شبهات عني , و انتظرت و أنا أراقب مجيء عبدالرحمن , أتى بعد 10 دقائق و دخل إلى هناك وهو مغطى الوجه كالعادة ! ..

نزلت خلفه و أنا أغطي وجهي بشماغي أيضًا و ألحق به بهدوء, سمعت صوت حذائه و هو يصعد الكثير من السلالم و يبدو بأنه سيصل إلى سطح العمارة ! , فلحقته و أنا أمشي على أطراف قدماي , وصلت إلى السلالم العلوية التي تخلو فيها الجدران من أي إنارة , كان منظرها مخيفًا بالفعل , رفعت طرف ثوبي خوفًا من السقوط و تفاجأت بانتهاء السلالم أمام بابٍ حديدي مغلق ! ..

اقتربت من الباب و أنا أنظر خلفي خوفًا من وجود أحد , التصقت بالباب و أنا أضع أذني و أحاول استراق السمع , و بعد فترة من التركيز و الانصات الحادّين , تمكنت من الاستماع إلى جزء من حديث عبدالرحمن و شخص آخر , كان حديثهم مثير للريبة فعلًا ويدور كله حول عادل سليمان , رئيسي في العمل !! ..

كان الشخص الذي مع عبدالرحمن يمتلك صوتًا واضحًا , خشنًا و قويًا , و منذ اللحظة الأولى التي بدأ بالتحدث فيها و أنا أشعر بأنه شخص خطير بالفعل , كقاتلٍ مأجور مثلًا , كنت ألتصق إلى الباب أكثر حتى توقف شعر يداي من الرعب بسبب ذاك الصوت الذي سمعته ! .. 

كان الباب قد فُتِح بسبب استنادي عليه و قد كان غير مغلق تمامًا , أصدر الباب صوت صرير قوي و مزعج و هو يُفتَح ببطء و يتضح الرجلان الجالسان أمام بعضها , كان الأول هو عبدالرحمن , أمّا الآخر , فقد تجمدت حواسي تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا و توقف شعري عندما رأيته ! .. لقد كان آخر شخص أتوقع وجوده في الحياة ! ..








( نهاية الفصل 15 ) ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
وسن محمد
عضو نشيط
عضو نشيط
وسن محمد

ٱلبّـلـدُ : اليمن
ٱلجَــنٌسً : انثى
عـ,ـدد آلـمـسـ,ـآهـ,ـمــآت : 207
تـ,ـآريـخ آلـتـسـجـيـ,ـل : 13/01/2016

لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: لماذا ارى ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري    لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Emptyالإثنين فبراير 22, 2016 2:29 pm



الفصل السادس عشر 16 :



اقتربت من الباب و أنا أنظر خلفي خوفًا من وجود أحد , التصقت بالباب واضعًا إذني و محاولًا استراق السمع , و بعد فترة من التركيز و الانصات الحادّين , تمكنت من الاستماع إلى جزء من حديث عبدالرحمن و الشخص الآخر , كان حديثهم مثير للريبة فعلًا ويدور كله حول عادل سليمان , رئيسي في العمل !! ..

كان الشخص الذي مع عبدالرحمن يمتلك صوتًا واضحًا , خشنًا و قويًا , و منذ اللحظة الأولى التي بدأ بالتحدث فيها و أنا أشعر بأنه شخص خطير بالفعل , كقاتلٍ مأجور مثلًا , كنت ألتصق إلى الباب أكثر حتى توقف شعر يداي من الرعب بسبب ذاك الصوت الذي سمعته ! ..

كان ذاك صوت الباب و قد فُتِح بسبب استنادي عليه و قد كان غير مغلق تمامًا , أصدر الباب صوت صرير قوي و مزعج و هو يُفتَح ببطء و يتضح الرجلان الجالسان أمام بعضها , كان الأول هو عبدالرحمن , أمّا الآخر , فقد تجمدت حواسي تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا و توقف شعر جسدي عندما رأيته ! .. لقد كان آخر شخص أتوقع وجوده في الحياة ! .. "


خرج سلطان من هذه الذكرى على صوت هاتفه , و كان المتصل فيصل :" سلطان , أين أنت ؟! "

" بالقرب من الموقع الثالث , لماذا ؟! هل طرأ أمر ما ؟! "..

" لا , لم يحصل شيء , كنت أريد منك القدوم إلي بعد انتهاءك من المغلف الرابع مباشرة , عند التاسعة مساءً , تضع المغلف في مكانه ثم تأتي إلي "..

" حسنًا , هل هناك شيء آخر ؟! "..

" لا , كن حذِرًا "..

أغلق سلطان هاتفه و توّجه إلى الموقع الثالث , و سرعان ما نزل إلى أحد المحلات في مجمع تجاري صغير و دخل و هو يبحث بعينيه عن المكان المناسب لوضع المغلف , أسرع باتجاه إحدى أقسام المحل و وضع المغلف فيه ثم خرج بهدوء مثلما دخل , دون أن يلفت النظر إلى نفسه أبدًا ..



**********


8:00 م


يحدق كلًّا من بدر و العقيد سيف في هواتفهم بانتظار الإعلان عن الموقع الثالث , و قد دخلوا في حالة من التوتر و الترقب .. و بعد ثواني من الانتظار ظهر الإعلان الثالث , و ما أن ظهر حتّى بدأ بدر بالبحث عن أقرب مخرج ليوصله إلى الموقع .. و كذلك فعل العقيد سيف ..

كان الموقع الثالث بعيدًا بعض الشيء , حيث حددت التغريدة أن الموقع يقع عند ( تقاطع شارع أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - و طريق الثمامة ) ..

تذكّر بدر أن هذا المكان قريب من الجامعة التي يدرس فيها ( جامعة الامام محمد بن سعود ) .

و يقع عند التقاطع المذكور مجمع تجاري صغير , لذا خمّن بدر أن المغلف قد يكون مخبأ داخل أحد المحلّات الخارجية بلا شك ! .

كان بدر يحاول الإسراع قدر المستطاع , و لكن هذه السيارة الصغيرة التي سرقها تأبى المشي و لو بسرعة متوسطة , و مع الوقت كان الشوارع تزداد ازدحامًا و ضجيجًا , و مع اقتراب آذان العشاء , ظن بدر أن الازدحام سيقل , و لكن العكس هو ما حصل .. !

و بينما كان ينصُب عينيه على الطريق , كان يتحكم بالسيارة باستخدام يده اليسرى , و يحاول بيده الأخرى أن يثني المغلف الثاني و الصور , و قام بوضعهم في جيبه , فهو لن يستطيع البقاء طويلًا داخل هذه الخردة المتحركة .. لذلك قرر أن يوقفها في داخل أحد الأحياء المظلمة القريبة من الموقع , بعدما أمضى قرابة 20 دقيقة في الوصول ..

أوقف السيارة و نزل بهدوء و هو يمسك بشماغه في يده , كان يحاول أن يجد بعض الماء ليتمكن من مسح آثار بصماته من المقوَد , كان يتحرك بتوتر مجيئًا و ذهابًا , و بعد دقائق نظر إلى أحد المنازل القريبة منه , حيث خرج منها رجل آسيوي و هو يمسك بخرطوم المياه ليسقي الشجر في الخارج ..

توجه بدر نحوه بسرعة , و هو ينفض شماغه و يحمله مرة أخرى , التفت الرجل إلى بدر و قد شعر ببعض الخوف من مشيته السريعة و عيناه المثبتة عليه ! ..

تراجع إلى الخلف ببطء و هو ينوي الرجوع إلى الداخل , و لكن بدر قام بأخذ خرطوم الماء منه بسرعة و هو يقول :" لا تخف , لن أفعل شيء "..

هز الرجل رأسه باستغراب و لم يفهم ما قاله بدر , تنهد بدر وهو يبلل شماغه و يعود لإعطاء الرجل الخرطوم , بينما وقف ذاك بتبلد و هو يرى تصرفات هذا الشاب الغريبة ! ..

عاد بدر إلى السيارة و بدأ بمسح البصمات و جميع الأماكن التي لامستها يداه , و من ثم خرج من الحي السكني مشيًا على الأقدام و هو يتوجه إلى ذاك المجمع التجاري الذي يعرفه جيدًا .. و بدأ بالركض مع اقترابه أكثر و هو يراهن على نفسه بأنه سيسقط في أي لحظة من شدة الإرهاق و الجوع ..

و عندما بلغت الساعة الثامنة و النصف كان بدر يستطيع رؤية المجمع من على بُعد شارعين , قام بالمشي نحوه و هو يدعو الله ألا يقع المغلف في أيدي بعض المغفلين كما في المرة السابقة .. كان يرى هناك بعض الشبان الذين يمشون في أرجاء المكان و يدخلون المحلات على عجل و يخرجون مرة أخرى , خمّن بدر أنهم يقومون بالبحث عن المغلف أيضًا , و قد ازداد قلقه بشدة حول هذا الأمر .. 

و صل إلى المجمع و هو يدخل إلى المحلاّت التجارية ابتداءً من اليمين و انتهاءً بالجهة اليسرى .. و مع استمراره بالبحث , لم يلحظ شيئًا و لم يلمح طرف المغلف حتّى , قام مرة أخرى بالدخول إلى المحلّات و البحث للمرة الثانية و بشكل أعمق , كان يقوم بتقليب الملابس المعروضة على الطاولات تحت غضب و اعتراضات البائعين , و لكنه كان كالأصم و قد بلغ قلقه أقصى المراحل , و كذلك قام بدخول إلى القسم الغذائي و هو يزيح بيديه العلب عن مكانها و صناديق الأطعمة ..
و قام بفعل التصرفات نفسها مع باقي المحلّات , و لكنه لم يجد شيئًا ..

خرج إلى مواقف السيارات و جلس على إحدى المجسمات الحجرية و قد وضع رأسه بين يديه :" هذا لا يعقل , لابد أن أحدًا قد وجده قبلي و أخذه , لقد انتهى كل شيء , لقد فشلت بالفعل .. "

عبرت أمام عيناه كل تلك الأجساد التي رآها في الصور و كل تلك الذكريات القديمة لوالده الذي كان له القدوة , الأب , الأم , الأخ , و كل ما قد تمناه يومًا .. و الآن ينتهي الأمر بهذه السرعة و البساطة في ليلة و ضحاها و قد تلوثت تلك السمعة التي استغرق بنائها سنوات , تلوثت خلال دقائق فقط .. !

رفع رأسه و نظر إلى محل للمشروبات الباردة و المعجنات أمامه, وقف بيأس و توجه نحوه ليشتري شيئًا يبلل به جوفه المنقبض و الجاف ..

أخذ عصيرًا باردًا و شربه دفعة واحدة , و لكن سرعان ما شعر بغثيان شديد , و قام بالركض إلى الخارج و توجه إلى سلة القمامة و أخرج كل ما في جوفه بحدة و ألم , و قد نظر الجميع إليه باشمئزاز و شفقة , و لكنه لم يكترث بشأنهم و قام بمسح فمه بإهمال ..

وقف في منتصف مواقف السيارات و هو يجهل تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا ما سيفعله , لم يكن يريد الجلوس و لا يعلم ماذا يفعل في المقابل ..

و لكن في تلك اللحظة , كانت هنالك سيارة بيضاء كبيرة مركونة بعيدًا و قد ظل سائقها يحدق إلى بدر منذ أن وصل و حتى الآن .. !


**********


يقف بيأس واحباط و قد رفع رأسه إلى الأعلى هامسًا بضعف :" يالله , كن بعوني "..

ولكن شق عليه صمته ذاك الصوت الذي تحدث معه منذ ساعات و قد تسلل من خلفه بهدوء :" لم تجد المغلف أليس كذلك ؟ ".

ظا بدر على حاله و قد عرف صوت العقيد و نبرة العطف في حنجرته , التفت ببطء قائلًا :" لا , لقد وجده أحدهم , لقد ضاع كل شيء مني "..

" كان الوضع ليكون أسهل بكثير لو أنك طلبت معونتي "..

تجاهل بدر حديث العقيد و توجه إلى أحد الكراسي و جلس و هو يضع رأسه بين يديه و يتنهد بانكسار تام .. تبعه العقيد سيف و هو يجلس بجانبه , ظل يحدق في بدر بابتسامة مواساة و أدخل يده في جيبه و أخرج منه مغلفًا أبيضًا وهو يقول :" كنت سأفتحه و أرى ما في داخله بنفسي , و لكنّي أحترم رغبتك في التحفظ على ذلك "..

رفع بدر رأسه باستفهام , و لكن سقطت عيناه على المغلف الذي بيد العقيد و قد اقشعر جسده بالكامل عند رؤيته له .. همس بخفوت :" لقد وجدته ؟ أهذا يَعّنُـــ(•̃͡-̮•̃͡)ــيْ أنه .. أنه لم يقع في يدي أحد ؟! " ظل بدر يسأل و ابتسامة الصدمة ترتسم على وجهه الوسيم اليافع , وقفا الاثنان و قد ابتسم العقيد بمراوغة :" و الآن , هل ستخبرني عن الأمر أم أجعل الوحدات الأمنية تتدخل في الأمر ؟ ".

" لا , لا عليك سأخبرك , و لكن .. "

" لا يوجد كلمة و لكن , أريدك أن تفتح المغلف بنفسك حالًا و تخبرني عمّا حصل من البداية أهذا واضح ؟ "

" لا تصعب الأمر أرجوك , صدقني أنت لا تريد رؤية ما في الداخل , إنه .. إنه مهين للغاية "

" أنت لا تترك لي خيار آخر , يبدو بأني سأستدعي بعض المساعدة " قال العقيد و هو يتراجع إلى الخلف و يخرج هاتفه ..

تقدم بدر منه برعب قائلًا :" لا أرجوك لا تفعل , أرجوك " .. تمساك بدر وهو يردد رجاءه و أكمل قائلًا :" حسنًا سأخبرك , تعال معي "

جلسا الاثنان على الكراسي أمام أحد المحلات و قد قام بدر بتمزيق المغلف و إخراج محتوياته ببطء و أعطاها للعقيد قائلًا :" مهما كان الذي سيتبادر إلى ذهنك بشأن هذه الصور , فعليك أن تعلم بأن جميعنا لنا جانب مظلم " ..

أخذ العقيد الصور و قد بدأ بتقليبها بين يديه بصمت و هدوء , قال بدر :" أنا لا أصدق هذه الصور , صحيح أنها تبدو واقعية و لكني لا أصدقها "

" إذا تظن بانها مركبة ؟ " سأل العقيد وهو يستمر بتقليب الصور ..

" لا , لا يبدو بأنها مركبة , و لكن أنا أعرف والدي , أتعرف ما الذي يَعّنُـــ(•̃͡-̮•̃͡)ــيْه ذلك ؟ .. أنا أعرف والدي أكثر من نفسه , لم يكن ليفعل هذا ابدًا , إنه متدين و وقور , هذه الصور ستفقدني عقلي ".

تنهد العقيد بهدوء ثم قال بنبرة أخوية :" دعني أخبرك شيئًا , في هذه الحياة ستواجه الكثير من الصدمات , و قد تنصدم من نفسك حتى ! .. كل شيء ممكن و كل شيء قابل للحدوث , عليك أن تتحلى ببعض المرونة يا بدر , إن من أخذ هذه الصور لا يكترث إن أنت صدقتها أم لا , كل ما سيكترث من أجله هو أن تنتشر بسرعة و يصبح اسم والدك على كل لسان و في كل مجلس , أهذا واضح ؟ "

" أتقصد بأن الصور حقيقية ؟! "

" في الواقع لا أريدك أن تفقد ثقتك بوالدك يومًا أو تقلل من شأنه و لكن ..كل شيء ممكن .. ! إن والدك ليس نبيًا يا بدر , لا أقصد الإهانة و لكنه غير محصن من الخطأ , و قد استغل أحدهم هذا ليجعل من حياته جحيمًا "..

بدا كلام العقيد منطقيًا للغاية بالنسبة لبدر , فهو قد ظن ذلك أيضًا عندما رأى الصور لأول مرة و لكنه كان يستمر في الإنكار , كان يستمر في التهرب من الحقيقية .. و هذا ما يفعله أغلبنا, عندما تأبى حواسنا التصديق و لكن عقولنا تستمر في سحبنا نحو الحقيقة و لكن نستمر في النضال من أجل الإنكار , من أجل أن يظل الهدوء في حياتنا مستمر و تظل أيامنا رتيبة و آمنة دون أن تتسبب الحقائق بزعزعة ذاك الهدوء ..

صمت بدر لدقائق و هو يعود لأخذ الصور من العقيد ثم قال :" إذًا ماذا سنفعل الآن ؟! "..

" سنفعل ما سيفعله الجميع , سنستمر في البحث إن كانت هناك مغلفات أخرى "..

" لقد تبقى اثنان "

" و كيف عرفت "..

" لقد اتصل بي من فعل هذه اللعبة بأكملها , بعدما خرجت من القسم في المرة الأولى مع عبدالرحمن , توجهنا سوية إلى منزله و هناك تلقيت اتصالًا من هاتف والدي "

" ثم ماذا ؟ "

" ظننت أنه والدي في البداية و قد وجده أحدهم , و لكن المتحدث كان المُختَطِف , يا إلهي لقد كان مستفزًا للغاية , في الواقع أراهن بأنه فاقد عقله تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا "..

" و قد هددك بشأن الشرطة أليس كذلك ؟ "

" نعم , لقد طلبت منه أن يخبرني من هو أو سأضطر إلى جعلكم تتبعون المكالمة , و لكنه هدد بقتل والدي إن فعلت ذلك "..

" حسنًا , والمغلفات , أخبرك بأنها 5 مغلفات ؟!".

" نعم , قال بأن هنالك 5 مغلفات سيتم وضعها في أماكن مختلفة ابتداءً من الساعة السادسة "..

" و عبدالرحمن ؟ أين هو ؟ ألم يأتي معك ؟ "

" في الواقع هذا ما يشغل بالي كثيرًا .. لقد أتى معي إلى هنا, و قد كان برفقتي عندما كنّا نبحث عن المغلف الأول و لكنه اختفى فجأة , حاولت الاتصال به كثيرًا , و لكن في النهاية أجاب على هاتفه ذاك المعتوه "

" أتقصد بأن عبدالرحمن مختطَف أيضًا ؟ " ..

" نعم , على ما يبدو .. إن ذاك المعتوه يقوم بقطع جميع الوسائل التي بإمكانها مساعدتي , لذلك لا أريد منه أن يعرف بأنك معي , ربما يؤذيك و يقتل والدي و يتفاقم الوضع إلى أن نفقد السيطرة عليه تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا "..

" كم الساعة الآن ؟ "

نسي بدر أمر الوقت و قد قاربت الساعة التاسعة مساءً و حان موعد المغلف الرابع ..

" إنها التاسعة إلا بضع دقائق "

" إذا تعال معي , سنذهب سوية لإيجاد المغلفات المتبقية .. هيّا قم بسرعة " ..

ذهب الاثنان إلى سيارة العقيد و بدآ بانتظار الإعلان عن الموقع الرابع ..


**********


( حي الملز , بالقرب من أحد المراكز التجارية المشابهة للموقع الثالث ..)


وضع سلطان المغلف الرابع في المكان المقصود ثم نفذ ما طلبه فيصل منه , لقد توجه نحو جنوب الرياض إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء , شقة فيصل الكئيبة ..

صعد السلالم بخفية كالمعتاد و دخل إلى الشقة التي كان بابها مفتوحًا بعض الشيء , كان عبدالرحمن يجلس على الأريكة بشرود عندما ناداه سلطان :" عبدالرحمن , أين فيصل ؟ "..

" إنه بالداخل , مع عادل .. اذهب إليه انه بانتظارك .. "

ذهب سلطان إلى الغرفة المجاورة التي كانت كالكابوس الأسود بالنسبة لعادل الذي فقد وعيه فيها منذ 3 ساعات تقريبًا ..

قال فيصل بصوت منخفض :" ادخل و أغلق الباب خلفك "..

تقدم سلطان نحوه و هو ينتظر الأوامر القادمة .. استدار فيصل و اتجه إليه و هو يخرج من جيب بنطاله المفتاح الذي قام بنسخه , أعطاه إلى سلطان قائلًا :" خذ هذا المفتاح , إنه مفتاح لمنزل ما هنا , أريدك أن تأخذ عادل و تتركه هناك " .. انهى فيصل حديثه و أخرج ورقة صغيرة قد كتب فيها عنوان المنزل المقصود و أعطاها لسلطان ..

" لماذا ؟ أليس من المفترض أن يكون أمام أعيننا طوال الوقت ؟ " تساءل سلطان ..

" لا , إنه سيكون في أمان أكبر هناك , و نحن أيضًا سنكون بأمان .. إن آخر ما أحتاج إليه هو أحمق فاقد للوعي و مستلقٍ في أحد غرف شقتي , هيّا ساعدني لنرفعه "..

انحنا كلاهما على عادل و قاما برفعه و إخراجه , توجه عبدالرحمن إليهما قائلًا باستغراب :" إلى أين ستأخذونه ؟ "

أجاب فيصل :" أنت تعلم بشأن بدر , إنه من المحتمل أن يستعين بالوحدات الأمنية من أجل إيجاد والده , لذلك لا أريد أن يكون عادل في ضيافتي هنا .. سأضعه في مكان آخر لإبعاد الشبهة عنّا "..

قام الثلاثة بإنزال عادل إلى أسفل المبنى , و وضعوه في المقاعد الخلفية لسيارة سلطان دون أن يلاحظهم أحد .. مشى سلطان بعيدًا و عينا فيصل معلقتان على خلفية السيارة , لقد اقترب كل شيء من النهاية .. كل شيء حرفيًا

صعد مجددًا إلى شقته التي يدفع عبدالرحمن إيجارها بكل سرور منذ سنوات .. و توجه نحو صديقه الوحيد المتبقي و أعطاه مفتاحان صغيران , ثم قال :" لقد طلبتها من سلطان .. المفتاح الصغير هو لمصعد عادل في شركته , أما الآخر فهو لمكتبه الخاص , و أنت تعلم ماذا تفعل بها أليس كذلك ؟ "

" نعم بالتأكيد , سيكون كل شيء كما أردناه "..

غادر عبدالرحمن الشقة محملًا بالكثير من الأمل بأن يوم غد سيكون الأخير و الأفضل , استدعى سيارة أجرة و ذهب نحو المكان الذي ترك سيارته فيه عندما اتى مع بدر عصر اليوم من الخرج ..

ركب سيارته و اتجه نحو مبنى للشقق المفروشة .. اشترى لنفسه عشاءً خفيفًا و لكنه لم يأكل سوى القليل , فعقله كان مشغولًا جدًا بشأن الذي سيفعله يوم غد في مكتب عادل , كان قد جلس بشرود على الأريكة و هو يرسم في ذهنه مخططًا تفصيليًا لما سيحصل ..


**********


مع إعلان الموقع الرابع لهذه السلسلة , كان العقيد و بدر يسابقان الوقت للوصول للموقع المذكور , لقد كان مركزًا تجاريًا صغيرًا في حي الملز .. و قد تمكنا من الوصول خلال نصف ساعة من إعلان الموقع .. كانا في أعلى مستويات التوتر و الخوف من أن أحد سيجد ذاك المغلف قبلهما .. وصلا إلى وجهتهما و نزلا بسرعة , قال العقيد بحزم :" بدر , اذهب أنت و ابحث في المحلات على جهة اليمين , و أنا سأبحث في جهة اليسار .. اتصل بي عندما تجد شيئًا .. "

أومأ بدر رأسه بالإيجاب و هو بالكاد يستوعب ما قاله العقيد , فطاقته و تركيزه بدآ بالتلاشي , و لا يمكنه فعل شيء حيال ذلك , و لا يستطيع أن يأكل شيئًا لاستعادة نشاطه , فقد كان جوفه منقبضًا بشدة و الغثيان في تزايد , أما رأسه فقد كان يعلن بدأ ذاك الدوار الذي ليس له نهاية سوى فقدان الوعي ! ..

بدأ بدر بدخول المحلّات التجارية , و تقليب البضائع رأسًا على عقب مع استغراب الزبائن و نظراتهم الاستفهامية , أما هو فقد كان متجاهلًا لما حوله تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا و لا يكترث إن غضب أصحاب المحلّات أو اعترضوا .. أكمل مسيرة بحثه وهو يفتش في أكثر الأماكن غرابة في المركز , فقد كان يبحث في أحواض الزرع و عند جذوع النخل , و أسفل السيارات المركونة , و لكن لا أثر للمغلف ! ..

اتصل على العقيد ليسأله إن كان قد وجد شيئًا و لكن يبدو بأن العقيد قد دخل في حيرة من أمره أيضًا .. استغرق بدر عشر دقائق في البحث و قد قرر في النهاية أن يسأل المارّة عن ذاك المغلف ! ..

كان يسأل كل من يمر أمامه إن كان قد رأى مغلفًا صغيرًا في الجوار , و لكن بعض الأشخاص كانوا يتجاوزونه دون أن ينظروا إليه أو يجيبوا على سؤاله حتى ! .. و استمر في سؤال المارّة و لكن لا يبدو بأن أصحاب هذه المنطقة يودون المساعدة على الإطلاق ..

في النهاية , و عند ذهابه للجلوس و بعد 15 دقيقة من البحث المكثف , لفت انتباهه فتاتان شابتان تحملان المغلف و تبدوان في غاية السعادة .. كاد بدر أن يفقد عقله و يبدأ بضربهن حتى الموت , و لكنه تمالك نفسه قدر المستطاع و اتجه نحوهن بهدوء , توقفت الفتاتان عند رؤيته , و قد اتسعت ابتسامتهما عند رؤيتهن لهذا الشاب الوسيم و هو يمشي نحوهن بهدوء و بشبه ابتسامة على أطراف شفتيه ..

توقف أمامهن قائلًا :" مساء الخير "..

ردت إحداهما :" أهلًا , مساء الخير "..

" عذرًا على الإزعاج و لكن .. هل هذا هو المغلف الذي أعلن عنه عادل سليمان في حسابه ؟ "..

أجابت احداهما بسعادة :" نعم , يبدو بأنه هو , إن هذا المركز هو الموقع المذكور أليس كذلك ؟ "

" نعم هذا صحيح , يبدو بأنه هو , و لكن هل تسمحين لي بالسؤال : أين وجدتيه ؟ ".

ضحكت الفتاة بخفوت قائلة :" لن تصدق ذلك , لقد كان أسفل الكرسي الذي كنت أجلس عليه في المقهى , لقد كنت أجلس على هذا الكنز طوال الوقت , بينما يبدو بأن الجميع يبحث عنه "..

ضحكت الاثنتان ثم أردفت الفتاة قائلة :" إنه يوم سعدي أليس كذلك ؟ "..

ابتسم بدر وهو يحاول أن يجد طريقة ليطلب المغلف منها :" في الواقع , كنت أريد أن أقول بأن مبادرة عادل سليمان كلها عبارة عن خدعة "..

" ماذا تقصد ؟ "

" لا يوجد أي مبالغ مالية داخل هذا المغلف , يمكنك فتح طرفه و استراق النظر "..

قالت الأخرى :" عذرًا , و لكن إن كنت تحاول قول هذا الهراء حتى نعطيك المغلف , فأنت مخطئ , لقد وجدناه و نحن أحق به , هيّا ليلى لنذهب ".. مشت الفتاتان بسرعة تاركين بدر خلفهما في دهشة .. و لكنه لحق بهن بسرعة و توقف أمامهن قائلًا :" حسنًا دعوني أخبركن بشيء ما , إن كان داخل هذا المغلف أي مبلغ مالي فسأعطيكم ثلاثة أضعافه مقابل إعطائي المغلف , ما رأيكن بهذا العرض ؟ "..

كانت إحدى الفتيات على وشك الرد و لكن هناك شخصان قاما بسحب بدر للوراء بعنف .. شهقت الفتاة برعب وهي ترى اثنان من رجال الأمن يمسكون ببدر بقوة و كان ورائهما رجلان من رجال هيئة الأمر بالمعروف .. التفت بدر إلى الوراء وهو يسمع توبيخ أحد رجال الهيئة قائلًا :" ما الذي تحاول فعله ؟ لقد رفضت الفتاتان الحديث معك و قد استمريت في ملاحقتهما ! .. يبدو بأنك لم تتلقى التربية الكافية من والديك , و لكنك ستتلقى عقابًا شديدًا أيها الصغير , هيّا خذوه إلى السيارة "..

كان بدر يصرخ وهو يحاول تبرير فعله للتو ! , و لكن لا حياة لمن تنادي .. فقد اجتمع الناس حوله و أخرج البعض هواتفهم لتصوير هذا المشهد المألوف ..

تراجعت الفتاتان إلى الخلف بخوف من أن يتم أخذهن أيضًا مع بدر إلى مكتب الهيئة , فتلك ستكون الذكرى الأسوأ في حياتهن ..

و بينما كان العقيد سيف منهمك في البحث في أحد المحلاّت , استدار إلى الخلف و نظر عبر الزجاج إلى ذاك التجمع الكبير من الناس .. و قد أخبره حدسه أن لبدر علاقة في ذلك .. خرج مسرعًا و اتجه نحو التجمع .. و كما أحس , كان بدر يتوسط الحشود و هو يقاوم رجال الأمن بشدة و يصرخ قائلًا بأنه لم يفعل شيء! .. و لكن ما أن رأى بدر وجه العقيد بين الحشود حتى صرخ قائلًأ :" سيف , المغلف , إن المغلف مع الفتاتان اللتان تقفان خلفك ".. و بعد أن قال بدر ذلك كانت قواه قد خارت بالكامل وقد تمكن رجال الأمن من إدخاله إلى السيارة بسهولة بعدما ارتخى جسده و نفذت طاقته ! ..

بدأت الحشود في التراجع بعدما رحل بدر و انتهى ذاك المشهد الصاخب , و ظل العقيد يحدق في الفراغ لوهلة من الزمن , و كانت الفتاتان خلفه واقفتان أيضًا , استدار العقيد إليهن و قال بنبرة غاضبة :" ماذا فعلتن ؟ "..

تسلل الخوف إلى الفتاتين و هن يرين هذا الرجل الضخم ذي البنية القوية و العينين التي يملأها الغضب و الإرهاق .. أجابت إحداهما بخفوت و تردد :" لم .. لم نفعل شيء "..

و لكن الأخرى أجابت ببعض الشجاعة :" و ما علاقتك أنت بما حصل ؟ .. لقد تعرض ذاك الشاب لنا , و استحق عقابه .. يا للتطفل ! "





( يتبع )

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
وسن محمد
عضو نشيط
عضو نشيط
وسن محمد

ٱلبّـلـدُ : اليمن
ٱلجَــنٌسً : انثى
عـ,ـدد آلـمـسـ,ـآهـ,ـمــآت : 207
تـ,ـآريـخ آلـتـسـجـيـ,ـل : 13/01/2016

لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: لماذا ارى ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري    لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Emptyالإثنين فبراير 22, 2016 2:30 pm


يجلس داخل زنزانة صغيرة و قد استلقى بجانبه بعض الشبّان .. لقد قاموا رجال الهيئة بالتحقيق معه حول ما حصل و لكنه ظل يقول لهم بأن الفتاتان أخذتا شيئًا يخصه , و أن ذاك المغلف الذي في حوزتهما هو له .. و لكن ذاك لم يقنع فريق التحقيق .. و بدا لبدر بأنه سيمضي الليل بأكمله في هذه الزنزانة الضيقة ..

" يا للحماقة , لِمَ يرفض الجميع تصديق براءتي ؟! , إن آخر ما أردت الوقوع فيه هو أن يشكك أحدهم في أخلاقياتي , و انتشار بعض المقاطع المهينة لسمعتي , لقد أمضيت اليوم كاملًا في البحث عن المغلفات للحفاظ على سمعة هذه العائلة الصغيرة .. و الآن و بسبب هاتين الفتاتين يبدو بأن تعبي و إرهاقي قد ذهب هباءً منثورًا .. و لكن العقيد لن يجعل الأمر يمشي على هذا النحو بكل بساطة , فأنا أثق به , و هو يثق بي وقد وعدني بالمساعدة .. فهو لديه صلاحيات عظيمة تمكّن من في منصبه من التصرف في الكثير من المواقف .. أرجو أن يستخدم اليوم أدنى صلاحياته لينقذني مما وقعت فيه .. يا إلهي أعنّي "..

اسند بدر رأسه إلى الحائط و قد أخذه شروده إلى والده , ظل يفكر فيه باستغراق و قلق لا يعادله شيء .. أهو بخير أم أنه متعب مثلي تمامًا ؟! .. تُرى هل يعلم بالذي يحصل والذي تحمله هذه المغلفات ؟ أم أنه محبوس في مكان ما في انعزال عن هذا العالم ؟! .. كم تبدو هذا الحياة قاسية .. فالسمعة و الشرف قد استغرق والدي سنوات عمره لبنائهما .. و الآن هما على وشك الانهيار عندما يفتح أحدهم طرف مغلفًا صغيرًا و وضيع ! .. سينهاران تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا خلال ثواني ! .. ليتني أعرف لما كل هذا ؟! لماذا يصر ذاك المدعو - فيصل – بتدمير ما تبقى لي من عائلتي ؟ لماذا يصر على فضح ما فعله والدي بهذا الشكل ؟! ..

و لكن فيصل لا يريد منّا مالًا و لا شيئًا مقابل صمته !! .. إنه يقوم بأفعاله دون أدنى مبرر , و لا أعرف شيئًا أبدًا عن الذي يحفزه للقيام بذلك .. إن كان لا يريد المال ليصمت ؟! فلماذا يفعل كل هذا بنا ؟! .. ماذا يريد ؟! ..

استمر بدر في تساؤلاته المنطقية حتى سرقه النوم إلى عالم آخر .. و على الرغم من جوعه الشديد , إلا أن الإرهاق كان أشد .. و قد غفا لبضع دقائق قبل أن ينزلق رأسه عن الحائط و يضرب تلك القضبان التي بجانبه بقوة .. استيقظ بضيق و هو يمرر يده على مكان الضربة بألم , و بينما كان هناك صوت ضحكات خافتة صادرة من الشبان بجانبه , أسند رأسه مرة أخرى إلى الحائط و لكن سرعان ما دخل حارس الباب قائلًا :" بدر سليمان ؟ "..

نهض بدر بخوف مصحوب بأمل في الخروج و هو يقول :" نعم , إنه أنا .. "

" ستخرج الآن , هيّا تعال ".. توجه الحارس نحو الزنزانة و فتحها و سحب بدر معه إلى الخارج.. كان بدر على يقين و ثقة بأن العقيد قد أنقذ الموقف .. و لكنه لا يعرف كيف حصل ذلك ! ..

و كما صدق يقينه , كان العقيد في مكتب أحد الموظفين بانتظاره .. مشى بدر نحوه ببطء و هو يترنح بخفة .. أمسك العقيد بذراعه بسرعة قائلًا :" بدر , أأنت على ما يرام .؟! "

كان بدر أنفاس بدر متقطعة ولكنه قاوم الضيق و الإرهاق و رد قائلًا :" نــ نعم , أنــ أنا بخيـ ــر , و لكن كيف اقنعتهم بــ بإخراجي ؟ "

أمسك العقيد بكتفي بدر و قاده معه إلى الخارج بهدوء و هو يحكي له ما حصل :


بدأت الحشود في التراجع بعدما رحل بدر و انتهى ذاك المشهد الصاخب , و ظل العقيد يحدق في الفراغ لوهلة من الزمن , و كانت الفتاتان خلفه واقفتان أيضًا , استدار العقيد إليهن و قال بنبرة غاضبة :" ماذا فعلتن ؟ "..

تسلل الخوف إلى الفتاتين و هن يرين هذا الرجل الضخم ذي البنية القوية و العينين التي يملأها الغضب و الإرهاق .. أجابت إحداهما بخفوت و تردد :" لم .. لم نفعل شيء "..

و لكن الأخرى أجابت ببعض الشجاعة :" و ما علاقتك أنت بما حصل ؟ .. لقد تعرض ذاك الشاب لنا , و استحق عقابه .. يا للتطفل ! "

توجه العقيد نحوهن و هو يخرج بطاقة عمله العسكرية و قد أشهرها في أوجههن قائلًا :" أنا عقيد أدعى سيف عبدالله , و المغلف الذي تحملانه ليس له شأن في ما أعلن عنه عادل سليمان , لذلك سأطلب منكن لمرة واحدة فقط أن تعطيانني إياه "..

ردت إحداهما بتهور :" و ماذا إن لم نفعل ؟! "..

ابتسم العقيد بمراوغة قائلا :"" إذًا , سيتم القبض عليكما بتهمة إعاقة سير الأمن في يوم حافلٍ كهذا ! "..

نظرت الفتاتان إلى بعضهما و قامت الفتاة الأولى بتسليم المغلف بتهذيب قائلة :" نحن آسفتان , لم نعلم أن المغلف يخصك .. "

" في الواقع إنه لا يخصني , إنه يخص ذاك الفتى الذي جعلتم هيئة المعروف تقتاده معهم بكل ذل ! ,, كما أنه من الممكن أن يبيت هذه الليلة في القسم بسببكن , ذاك الفتى لم يتعرض إليكن بأي أذى , أهذا صحيح ؟! "

ردت الأولى :" لا لم يفعل .. "

" إذًا أريد منك أن تقولي ذلك للموجودين في مكتب الهيئة عندما تذهبان معي إلى هناك "..

قالت الأخرى :" نذهب معك ؟! , لن نركب مع أحدٍ غريب .. حتّى لو كان عقيدًا ! "

كان العقيد قد بدأت يستاء من هذه الفتاة الوقحة التي تقف أمامه , بينما كانت صديقتها في غاية التهذيب و اللباقة .. تنهد العقيد قائلًا :" إذًا سأطلب لكنّ سيارة أجرة و ستتبعانني إلى مكتب الهيئة , و أريد منكن أن تقولا ما حصل بالضبط , و أن ذاك الفتى لم يؤذيكن "..

ذهب العقيد برفقة الفتاتين إلى المكتب و عند حضورهن و تدوين شهادتهن , سقطت تهمة التحرش عن بدر فورًا .. و خرجت الفتاتين بسرعة , بينما ظلّ العقيد في انتظار بدر .. 


**********

خرج العقيد مع بدر وهو لايزال يمسك بكتفيه و يساعده على المشي :" بدر , أأنت متأكد أنك بخير ؟ تبدو مرهقًا جدًا "..

توقف بدر عن المشي و بدأ بإغماض عينيه ببطء و هو يترنح إلى الخلف , و لكن العقيد شد على كتفيه بشكل أقوى و لكن ذلك لم يمنع بدر من السقوط على ركبتيه و قد تمكن الإرهاق و الضغط منه تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا ..!

وضع يديه على الأرض و قد بدأ أنفه بالنزيف الحاد , و بدأ يرتجف بشكل مريب .. وقد وجهه و ضاق نفسه حتى سقط أرضًا وهو فاقد لوعيه تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا .. 

رفعه العقيد عن الأرض و بدأ بمسح وجه بدر بشماغه و تنظيف الدماء من أنفه و هو يصرخ به :" بدر , بدر ما بك ؟! .. بدر أتسمعني ؟! "..

كان بدر يفتح عينيه و يغلقها دون وعي .. و قد كان يحرك شفتيه في محاولة لقول شيء ما و لكنه عجز عن ذلك .. قام العقيد بحمله بين يديه و وضعه في المقاعد الخلفية لسيارته .. و ذهب مسرعًا إلى أقرب مشفى في الحي .. حمله إلى مدخل الطوارئ و سرعان ما وضعه الممرضون على أحد الأسرّة و هم يفحصونه .. قال أحدهم للعقيد :" لا تقلق , إنه فاقد للوعي بسبب ارتفاع حاد في ضغط الدم , سنعيد ضغطه إلى المعدل الطبيعي و سيستيقظ خلال 15 دقيقة تقريبًا "..

بدأ الممرضون في توصيل الأجهزة بجسد بدر و وضع مغذي و جهاز للتنفس , بينما قام أحدهم بتنظيف الدماء التي ملأت وجهه .. 

جلس العقيد بجانبه في قلق عميق .. و هو يهز جسده إلى الأمام و الخلف بتوتر واضح .. و بعد مرور عدة دقائق بدأ اللون يعود إلى وجه بدر و بدأت نبضات قلبه في الانتظام و كذلك تنفسه .. 

و بعدما نفذ المغذي .. و بعد 15 دقيقة فتح بدر عيناه ببطء و هو يقطب حاجبيه بضيق .. حاول النهوض و لكن العقيد أوقفه عن فعل ذلك و أعاده إلى السرير .. 

بدأ بدر بتحريك أطرافه , و سرعان ما أزال جهاز التنفس عن وجهه و هو يقول :" أريد الخروج من هنا , حالًا "..

" بدر توقف , انظر إلى ماذا اقتادتك أفعالك المتهورة ؟! .. لقد كنت على وشك أن تفقد حياتك .. لن تخرج من هنا .. فضغط دمك مرتفع بشكل حاد .. لقد تلفت أعصابك بما فيه الكفاية ! "..

" لا أكترث , سأخرج من هنا بكامل مسؤوليتي .. "

نظر بدر إلى الساعة المعلقة على الحائط المقابل و قد أشارت الى العاشرة و خمس دقائق .. 

" لقد تبقى لنا مغلف أخير لإيجاده , و أنا لن أجلس هنا و أتأوه كالنساء .. " قال بدر و هو يضغط على زر استدعاء الممرض بجانب سريره .. و ما أن أتى ذاك حتى أخبره بدر برغبته بالخروج .. و على الرغم من اعتراضات الممرض و العقيد .. إلا أن بدر قد تمكن من الخروج بعدما قام بتوقيع ورقة خروجه على مسؤوليته الكاملة .. 

خرجا الاثنان من المشفى متوجهان إلى سيارة العقيد .. و قد فتح بدر هاتفه و هو يجلس بتعب .. و لكنه لم يرى أي وجود لتغريدة عن الموقع الخامس .. أعاد تحديث التنبيهات على هاتفه و لكن لا شيء ! ..

" هذا غريب ! ".. تساءل بدر 

" ماذا ؟ "

" لا يوجد إعلان عن الموقع الخامس , لقد مرت 5 دقائق ! "..

" علينا الانتظار إذًا ".. 

توجه العقيد نحو أحد الشقق المفروشة و ساعد بدر على النزول .. سأله بدر :" هل سنمكث هنا ؟ "

" لا , سأضعك في مكان لترتاح فيه .. و عند إعلان الموقع الأخير سنذهب سوية للبحث .. هيّا تعال معي "..

دخل الاثنان و سرعان ما استلقى بدر على الأريكة و خرج العقيد ليشتري لهذا الفتى العنيد بعض الطعام ليستعيد به نشاطه .. 

و عند عودته إلى الشقة كان بدر قد غرق في النوم وهو ممسك بهاتفه في يده .. قام العقيد أيضًا بالدخول إلى حساب عادل سليمان و لكنه لم يجد شيء حول الموقع الأخير و قد قاربت الساعة من العاشرة و النصف ليلًا .. !



( نهاية الفصل 16 ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
وسن محمد
عضو نشيط
عضو نشيط
وسن محمد

ٱلبّـلـدُ : اليمن
ٱلجَــنٌسً : انثى
عـ,ـدد آلـمـسـ,ـآهـ,ـمــآت : 207
تـ,ـآريـخ آلـتـسـجـيـ,ـل : 13/01/2016

لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: لماذا ارى ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري    لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Emptyالإثنين فبراير 22, 2016 2:41 pm


الفصل السابع عشر 17 :




يمشي في طريقه باتجاه شقة فيصل بعدما وضع عادل في المنزل المطلوب و قد قيّد يداه و رجلاه تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا .. 

ذهب إلى فيصل كي يستلم المال الذي اتفقا عليه مقابل الخدمات التي سيسديها إليه , و المغلفات التي سيقوم بوضعها في أماكن متفرقة , و كل تلك الساعات الطويلة من الإرهاق الناتج عن القيادة المستمرة .. لذلك اتفق مع فيصل على ألا تكون هذه الخدمات مجانية ! ..

و ما أن وصل إلى العمارة التي يسكنها فيصل , حتى عادت به الذكرى و بشدة إلى المرة الأولى التي خطت قدماه على هذا المكان .. و كيف أنه كان يلحق بعبدالرحمن للأعلى بهدوء , و الآن كان المشهد يتكرر معه بالضبط .. حيث داخلية المكان تبدو نفسها , و حتى الإضاءة لازالت خافتة و متقطعة كما رآها أول مرة , و كل تلك الأبواب للشقق التي لا يعلم أدنى شيء عن ساكنيها و لم يرى أحد الأبواب قد فُتِح يومًا ! ..

استمر بالصعود و استمرت الذكرى بالرجوع و قد وصل إلى باب شقة فيصل , حيث كان يستند عليه في المرة الأولى و يستمع لحديث فيصل مع عبدالرحمن حول انتقامٍ ما .. !

تذكر كيف أن الباب قد فُتِح و قد ارعبه ذلك بشدة , و صوت صرير الباب لايزال في اذنه حتى اليوم .. و لكن أكثر ما أرعبه بحق في المرة الأولى , هو ( فيصل ) بحد ذاته .. 

فلقد كان آخر شخص يتوقع وجوده على الأرض يومًا ! .. لقد كان فيصل عبارة عن نسخة طبق الأًصل من ( عادل ) ! .. 

و كأن عادل كان جالسًا مع عبدالرحمن ! .. و أول ما تبادر لذهن سلطان هو أنه : كيف لعادل أن يأتي لهذا المكان و يتحدث مع عبدالرحمن حول الانتقام من ( عادل نفسه ) !!؟

لقد كان سلطان على وشك الجنون من هذا الشبه الضخم بينهما ! .. 

و لكن فيصل كان ببساطة : النسخة الشيطانية من عادل , فلقد كانت عيناه أكثر حدة و حاجباه أكثر سوادًا , أما جسده فقد كان طويلًا و بمنكبين عريضين , لم يكن يشبه عادل في ببشاشته المعهودة و لطفه , فقد امتلك فيصل نظرات غاضبة طوال الوقت و حاجبان مقطبان دون سبب وجيه ! .. أما شفتاه فلم ير سلطان الابتسامة عليهما يومًا .. ! 

لقد كان فيصل ( التوأم السيء ) لعادل ! .. و الآن وقد دخل سلطان إلى الشقة , وجد فيصل يجلس في نفس المكان الذي رآه فيه في المرة الأولى , و لكن بملامح أكثر استرخاء و عينان أقل غضبًا .. 

تقدم نحوه و جلس أمامه قائلًا :" هل انتهى دوري الآن في كل هذا ؟ "..

عاد فيصل بظهره إلى الوراء و هو يضع يديه خلف رأسه باسترخاء قائلًا :" نعم , لقد انتهى دورك , و بالنسبة لمكافأتك , إنها في الغرفة التي كان عادل فيها , ستجد المال داخل حقيبة صغيرة "

نهض سلطان متوجهًا نحو الغرفة و هو يبحث بعيناه عن الحقيبة .. و لكن ما أن وقف في منتصف الغرفة حتى خرج الهواء من صدره تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا ! .. و قد شعر بنيران تشعل ظهره بالكامل .. 

لقد رأى خيال ابنته و زوجته الجميلة يتمايل أمام عيناه , و حياته تعبر أمامه بالتسلسل و كأنه لم يلبث سوى " عشيةً و ضحاها " .. !

كان فيصل يقف خلفه و هو يلتصق به أكثر , و قد أمسك به بذراع واحدة , و أما الأخرى فقد كانت تطعن سلطان في ظهره .. طعنه مجازيّة و فعلية ! ..

كانت الدماء تنساب على يد فيصل بغزارة و قد وضع فمه عند أذن سلطان قائلًا :" نعم , أنا هو الصديق السيء الذي يطعن في الظهر "..

كان سلطان يغمض عيناه و يفتحها ببطء و قد أصبح بينه و بين الموت قاب قوسين أو أدنى .. وقد انقطع نفسه و ارتخت أطرافه بالكامل , و لكن فيصل زاد من ادخال السكين في سلطان وهو يكمل :

" و لكنك شخص جيد في الواقع , لقد كنت تخدم أخوين توأمين في نفس الوقت , لقد كنت تمطر عليهم بفضلك , و لكن يبدو بأن عادل لم يعرف كيف يكافئك , لذلك فعلت ذلك بنفسي .. هذا هو الجزاء الذي تستحقه "..

قال فيصل كلماته و قد أخرج تلك السكين الحادة من ظهر سلطان ثم دفعه بقوة على الأرضية , حيث بدأت دماءه تنساب بغزارة , و تلك البقعة الحمراء في ظهر ثوبه تكبر شيئًا فشيء .. !

نظر فيصل إلى السكين الصغيرة في يده و التي أخرجها من خزانته مساء هذا اليوم , و توجه نحو نافذة الغرفة و قام بفتحها و هو ينظر إلى الأسفل , كانت هناك حاوية قمامة كبيرة صفراء اللون أسفل النافذة تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا , فقام فيصل برمي السكين فيها و أغلق النافذة و خرج من الغرفة ..

لم يكن قلق حول الإمساك به في جريمة قتل , فقد كانت يداه محروقتان و عديمتا البصمات بالكامل ! .. لذلك فقد استمتع بقتل سلطان بيديه العاريتان دون قفاز أو أي شيء يخفيهما .. 

نظر إلى المكان من حوله , هذا المكان الصغير المظلم الذي احتوى ظلمات قلبه لسنين , و الذي بقي فيه نكرة و معدوم من الوجود , حيث لم يكن يعرفه أحد سوى اثنان , و الآن قد قتل واحد منهما .. 

تذكر كل تلك الأيام التي قضاها هنا من دون أن يفرّق بين الليل و النهار , و دون أدنى معرفة بالعالم الخارجي و الذي يدور من حوله , كان مكتفيًا بالذكريات المريرة لمراهقته , و التي كانت صاحبته الوحيدة في هذا المكان ..

في هذه الشقة كبر انتقامه , و في هذه الشقة خطط للانتقام , و فيها أيضًا انتهى كل ما خطط له ..

خرج منها نازلًا السلالم و تاركًا خلفه شقة صغيرة لن يعلم أحد يومًا مَن كان يسكنها ! .. لم يترك بصمة أو أثرًا يقود إلى معرفته , بل خرج من العمارة بأكملها للمرة الأخيرة في حياته ..

أوقف سيارة أجرة و توجه مباشرة إلى الوحيد الذي يربط بينهما الكثير , توجه إلى شقيقه عادل الذي يربط بينهما الدماء و الذكرى ... !



**********


قبل 30 سنة ..


يتسلل فيصل المراهق المتمرد إلى غرفة أخيه التوأم بعد منتصف الليل , متوجهًا إلى سريره و هو يوقظه بهدوء :

" عادل , عادل أيها الطفل استيقظ , لا أصدق أنك تنام في مثل هذا الوقت ! "..

فتح عادل الوسيم عيناه قائلًا :" ما الذي يفعله الناس في هذا الوقت سوى النوم ؟! .. أنت حقًا لامبالي بشكل فظيع , اخرج من هنا "..

" عادل , إن أسامة و بقية الشباب مجتمعون في استراحته من بعد مباراة اليوم , ألن تذهب معي ؟ "

نهض عادل بسرعة قائلًا :" أفقدت عقلك ؟! .. إن الساعة الآن الثانية صباحًا , المكان الوحيد المسموح لنا الذهاب إليه هو : المطبخ , أو قسم الطوارئ في حال موت أحدنا , سيشرب والدي من دمك إن علم عن مخططاتك البلهاء , لن تذهب يا فيصل "..

" أتعلم ؟! .. أنا أحمق , ليتني لم أخبرك , سأذهب الآن و أنت عد إلى النوم أيها الديك "..

" و ماذا عن والدي إذا استيقظ و لم يجدك ؟! "..

" لا تقلق , لن يستيقظ قبل ساعتين من الآن .. "

عاد عادل إلى النوم و هو يغطي نفسه جيدًا قائلًا :" و كيف لك أن تعلم ؟! .. يمكنه الاستيقاظ في أي وقت "..

" لا لن يفعل , لقد وضعت له منوّمًا في عصيره قبل أن يتعشى معنا "..

قفز عادل من سريره و هو يتوجه إلى الباب قائلًا بصراخ :

" أيها المجنون , هل قمت بتخدير والدنا ؟! .. لقد تماديت كثيرًا يا فيصل , كثيرًا "..

توجه عادل إلى غرفة أبيه بينما نزل فيصل من سلالم منزلهم الكبير وهو يعبث بمفتاح سيارة والده قائلًا :

" قم بإضاعة الليل كله في محاولة إيقاظه , فأما أنا فسأقضيه بمتعة كاملة "..

خرج فيصل من المنزل بينما دخل عادل على أبيه وهو يضرب خدّه بخفه محاولًا إيقاظه :

" أبي , أبي هل تسمعني ؟! .. أبي ! " .. استمر في هز جسد والده و لكن يبدو بأن المنوّم كان قويًا بالفعل .. !

قام عادل بتغطية والده جيدًا ثم خرج بهدوء وهو يفكر بأخيه المتهور ..

" إنه معتوه بالكامل , يقوم بتنويم والده من أجل جلسة تافهة مع أصدقاء لا نرجو خيرًا من ورائهم , منذ اللحظة التي رأيتهم فيها قبل عدة أسابيع و أنا شديد القلق على أخي , إنه عنيد بشدة و لن يستمع إلى ما أقوله عنهم , سيتسببون في إيقاعه في المشاكل العويصة فعلًا ! .. و إن أخبرت والدي فسيستاء فيصل مني ولن يخبرني عن أتفه أسراره و ما يجري معه , و لكن على أحدهم إيقافه , لن أستحمل الوقوف و مشاهدة أخي يغرق في فخ المراهقة دون فعل أي شيء تجاه ذلك , يا إلهي أعنّي "..

عاد عادل إلى غرفته و ظل ينتظر أخاه طوال الليل , و لم يكن يستطيع فعل أي شيء , فقد كان خجول و متردد للغاية , و ليست لديه القدرة على الحديث مع أحد و فتح قلبه سوى لفيصل , و هو الآن بحاجة لشخص آخر ليتحدث معه بشأن فيصل ! ..

و عندما عاد أخوه بعد ساعة و نصف , دخل إلى المنزل و هو يترنح و قد ارتخت أطرافه و هو بالكاد يستطيع أن يخطو خطوة واحدة .. نزل عادل عندما سمع صوت الباب و قد رأى أخاه في وضع مزري للغاية , نزل السلالم بسرعة على أطراف قدميه ..

توجه نحو فيصل و هو يسحبه معه للأعلى ,و قام بإدخاله إلى غرفته و أغلق الباب بهدوء , قال فيصل ببطء و هو يمسح أنفه بشدة :

" أرأيت ؟ .. أخبرتك بأنني لن أتأخر "..

" فيصل ما بك ؟ .. لم أنت متعب هكذا ؟! "

" متعب ؟! أنا لست متعبًا , بل في أعلى مراحل النشوة , هناك خيط رفيع للغاية بينهما "..

" عليك أن تنام الآن , بسرعة , لقد اقترب آذان الفجر و سيأتي والدي لإيقاظك , تظاهر على الأقل بأنك نائم ! ".. 

هز فيصل رأسه بشرود قائلًا :" حسنًا , اخرج "..

قام فيصل بنزع ملابسه و قد خجل عادل من ذلك و خرج على الفور هامسًا :" أحمق "..


**********

يجلسان على أحد الكراسي في الساحة الخلفية لمدرستهما , كان عادل يتناول إفطاره بشرود , أما فيصل فقد كان مستلقي و واضعٌ رأسه على فخذ أخيه , قال عادل بهدوء :

" ما فعلته في الليلة الماضية كان خطأ فادحًا يا فيصل , و عليك أن تتوقف عما تفعله في منتصف الليل كل يوم , عليك التوقف مبكرًا قبل أن يتفاقم الوضع , ويعلم والدنا عن ذلك و تفقد ثقته بالكامل "..

" و من قال أننا مَلكنَا ثقته حتى نفقدها ؟! " .. نهض فيصل و جلس بجانب عادل و أكمل قائلًا :

" أتظن أن أبي يثق بنا ؟! .. ألا ترى ما يفعله ؟! .. إنه بالكاد يسمح لنا بالخروج , أو السفر سويةً .. ↜❀بــℬℜℬــرب❀↝ك يا عادل ! إننا في الثامنة عشر , و قريبًا سنصبح رجالًا مستقلين , و لا يزال أبي يعاملنا كالأطفال , إن كل الأمور التي أفعلها ليست سوى ردة فعل عكسية بسببه , هو الذي جعلني أمتلك كل هذا الفضول والتمرد للخروج من المنزل و رؤية الأمور التي لا يريد منا أن نراها .. إلى متى سيظل يمنعنا من الاختلاط بالناس و الخوض في التجارب , سواءً أكانت ناجحة أم فاشلة ؟! "..

" فيصل أرجوك , إننا الشيء الوحيد الذي بقي له في هذه الحياة , إن يفعل ذلك خوفًا علينا .. "

" لا , بل يفعله لأنه لا يثق بتربيته .."

" فيصل ! , عارٌ عليك ! .. كيف لك أن تتحدث عنه بهذه الطريقة ؟! "..

" و لم أنت واقف بصفه ؟! .. أتعجبك كل هذه الأغلال التي يضعها حولك ؟! .. عادل , إن أبي يقوم بتفتيش هاتفك كل يومان , أترى أن هذا تصرف صحيح و مليء بالثقة ؟! .. استيقظ من خضوعيتك قليلًا .. إن تصرفات أبي مزعجة للغاية , أنا أحبه ولكن ما يفعله بنا غير لائق أبدًا , بدأت أخجل منه أمام أصحابي ! "..

" يا للفخر .. تخجل من والدك !؟ .. فيصل إن والدي خائف علينا , يريد مصلحتنا فحسب , أظن بأنه يرى الحياة بمنظور مختلف قليلًا عنّا "..

" لا يا عادل , إنك تخاف حتى من القول بأنه يمنع حريتك .. أتعلم شيئًا ؟! .. أنت جبان "..

" لا لست جبانًا , ولكن لن أجعل والدي يغضب مني بسبب أمور تافهة "..

" بلى , أنت جبان , و أشعر بأنك تظن أن والدي يتنصت إلينا حتى عندما نكون هنا ! "..

" لا , لا أظن ذلك , و لكن والدي لديه الأحقية بمنع الأمور المؤذية عن الولوج إلينا "..

" أتعلم ؟! .. الحديث معك عقيم .. دعني أنام "..

أعاد فيصل رأسه إلى حضن عادل و أكمل نومه , فقال عادل :

" لو أنك لم تخرج في الأمس كاللص الهارب في منتصف الليل; لتمكنت من النوم جيدًا .. و لكن لا حياة لمن تنادي !! "..

رفع عادل رأسه لذلك الصوت الفريد , لقد كان عبدالرحمن يتقدم نحوهم قائلًا :

" صباح الخير "..

" صباح الخير , أتمنى لو أستطيع أن أقول تفضل و اجلس , و لكن كما ترى , البعض قد أخذ مساحة الكرسي بالكامل !! "..

توجه عبدالرحمن نحو فيصل وهو يعبث بأنفه حتى يوقظه .. و لكن لا جدوى !..

قال عادل :" عبدالرحمن , هل كنت معهم ليلة البارحة ؟! "..

" أتقصد فيصل و الشباب ؟ .. نعم كنت موجودًا و لكن رحلت مبكرًا , بعد وصول فيصل بدقائق "..

نظر عادل إلى أخيه ثم إلى عبدالرحمن قائلًا :" حسنًا , سنتحدث لاحقًا "..


**********


دخل والد التوأمان إلى المنزل بعد الظهر , و توجه إلى طاولة الطعام ليشاركهما الغداء ..

" السلام عليكم "..

رد الاثنان بهدوء :" وعليكم السلام "..

بدأوا في الأكل و كانت الأجواء هادئة كالعادة , و لم يكن هناك سوى أصوات الملاعق , و لكن الأب كان يرفع عيناه كل بضع دقائق إلى فيصل ثم يعود للأكل .. لاحظ عادل نظرات والده تجاه أخيه ولكنه التزم الصمت , و بعد بضعة أحاديث سطحية حول دراستهما .. أنتهى الجميع من الأكل و خرج والدهما إلى غرفته لينام , أما عادل فقد اقترب من فيصل هامسًا :

" أرأيت كيف كان ينظر إليك ؟! "..

" مَن ؟! "..

" يا إلهي , فيصل إن الوقت ليس مناسب لمزاحك , أقصد والدي "..

" و كيف كانت نظراته ؟! "..

" لا أعلم , و لكنه يبدو بانه عرف بشأن ليلة البارحة "..

" إن أبي ينظر إلي دائمًا بهذه الطريقة , أنا معتاد عليها , و بالنسبة لليلة البارحة , فأنا لم أترك أثرًا أو دليلًا عندما خرجت .. لقد كان نائمًا .. توقف عن هواجسك "..


**********

( في غرفة والدهما ) ..


رفع الأب ( حمد ) هاتفه متصلًا على أحد موظفيه المقربين .. و طلب منه أن يقوم بمراقبة المنزل ليلًا , و اللحاق بفيصل إذا رآه خارجًا و إخباره عن كل شيء يراه على ابنه , استغرب الموظف ( إياد ) طلب مديره , و لكنه وافق على ذلك ..

أما حمد فقد اتجه إلى أريكة غرفته و أخذ الشماغ الموضوع عليها و هو يشتم رائحته للمرة الألف ! .. 
لقد كان رائحة عطر فيصل مختلطة برائحة التبغ القوية ..

و قد وجد حمد في سيارته هذا الشماغ الخاص بابنه و الذي يبدو بأنه نسيه في سيارة والده عندما عاد فجر الأمس.. 

تفاقمت شكوك حمد بابنه .. ولكنه ظل يهدئ نفسه و يلتزم الصمت حتى يأتيه إياد بالخبر اليقين ..


**********


مضت 3 أيام , و في كل مرة كان إياد يلاحظ خروج فيصل ليلًا , و يتبعه و يراقب كل ما يفعله , أما عادل فقد أدار حديثًا طويلًا مع عبدالرحمن , يسأله فيه عما يجري في استراحة أصدقاء فيصل و إن كان هنالك شيء سيتسبب لفيصل بالأذى :

" عبدالرحمن , أأنت متأكد من كلامك ؟! "

" عادل , لقد أخبرتك مئة مرة ! .. لا شيء مضر يحصل هناك , كل ما في الأمر أننا نجتمع سوية و نلعب الورق أو نشاهد فيلمًا , أو نقوم بعمل المقالب لبعضنا , لا أعلم لم كل هذا القلق ؟ , لقد بدأت تصبح نسخة مصغرة عن والدك ! "..

" عبدالرحمن , لا أسمح لك بالحديث بهذا الأسلوب عن والدي , أهذا مفهوم ؟! .. أما بخصوص فيصل , ففي كل مرة يعود إلى البيت تكون قواه معدومة بالكامل , و قد بدأ وجهه يتغير كثيرًا , لقد أصبح أكثر شحوبًا و أقل اهتٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا بما يجري حوله , إنه أخي يا عبدالرحمن , و لن أسمح لشيء أن يمسه بضرر "..

" لا أعلم يا عادل , إن كنت تقصد أن فيصل يتعاطى شيئًا ما , فأنا لا أعلم , إنه يجلس بشكل طبيعي للغاية معنا , و يغادرنا بنفس الوضع كل يوم , إن أخطر شيء نفعله هناك هو التدخين من فترة إلى أخرى , أما تعاطي بعض المخدرات أو أيّ كان منها ; فنحن لا نفعل ذلك أبدًا "..

" إن كان فيصل يغادر الجلسة بوضعه الطبيعي , فلماذا يعود إلى المنزل بشكل مزري ؟! "..

صمت الاثنان لدقائق , ثم سأل عادل بسرعة :

" عبدالرحمن , في أي ساعة يغادركم فيصل عادةً ؟! .. بسرعة "..

" أهـ , ممم لا أعلم بالضبط , و لكن قرابة الساعة الثالثة إلا ربع تقريبًا , لا يجلس كثيرًا معنا , يغادر بعد 45 دقيقة من قدومه على الأرجح "..

" هذا غريب , إنه يعود إلى المنزل في الثالثة و النصف , أي أنه يعود بعد الخروج من الاستراحة بـ 45 دقيقة , و إن المنزل قريب من استراحتكم , و لا يستغرق الطريق سوى 5 دقائق ! "..

" أتقصد بأنه يذهب لمكان آخر بعد أن يغادرنا ؟! "..

" نعم , بالتأكيد "..

سكت عبدالرحمن لثواني , ثم قال:" أستطيع مراقبته إن أردت ذلك .."

" حقًا ؟! .. و لكن الوقت سيكون متأخر للغاية , و قد تقع في المشاكل أنت أيضًا "..

" لا عليك , سأراقبه ليومان فقط .. " سكت عبدالرحمن ثم أردف :" أكره أن أراقب أعز أصدقائي بهذا الشكل و لكن , لقد أثرت قلقي عليه , لقد لاحظت وجهه مؤخرًا , و لقد كان كما قلت , شاحبًا و متعبًا في الغالب , إنه ينام كثيرًا في الصف , علاماته الدراسية انخفضت بشكل مريب , لقد أصبح يشرد كثيرًا .. سأراقبه من أجله نفسه , و ليس ما أجلك يا عادل "..

" نعم , لا تراقبه من أجلي , أنا أعلم أن صديقك الأقرب و أنك لن تستطيع أن تشي به بسهولة , و لكن مصلحته تقتضي ذلك "..


**********


بعد عدة أيام ..

يجلس والدهما حمد على مكتبه و قد وضع رأسه بين يديه عندما هاجمه ذلك الألم القاتل , الناتج عن الأمور التي أخبره بشأنها إياد !! ..

" هذا ضرب من الجنون , كيف لأبني أن يفعل ذلك ؟! .. كيف لتربيتي أن تثمر بهذه الطريقة المشينة ؟! .. لقد ظللت أمنعه من الاختلاط المبالغ به مع الناس , لأن الناس ليسوا ملائكة ! .. و لكنه ظل يعاندني و يفعل المصائب من ورائي .. يا إلهي .. كيف سأتصرف الآن , و ماذا عن اسم عائلتنا و اسم شركتنا التي تلطخت بالعار بسببه ؟! .. ماذا عن كل تلك الأموال التي صرفها من أجل أن يفقد عقله و ينتشي لدقائق ؟! .. "

كان حمد قد فقد أمله في الإصلاح تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا , و بحسب طبيعة شخصيته العصبية و المتسرعة دومًا , لم يكن أمامه سوى حل واحد لهذه المصيبة .. 

أخبره إياد أن ابنه كان يغادر المنزل بعد الساعة الواحدة تقريبًا , و عندما بدأ بتتبعه , كان يذهب لأصحابه في استراحة صغيرة قريبة من منزلهم , و لكنه يجلس فيها قرابة النصف ساعة أو أكثر بقليل , و لكن بعد ذلك يخرج من عند أصحابه و يتوجه إلى استراحة أخرى بعيدة .. و يجلس فيها طويلًا ثم يعود إلى المنزل و هو يترنح في مشيته نحو السيارة و عند نزوله منها .. 

كان إياد يتملكه الفضول لمعرفة ماذا يجري في الاستراحة الأخرى , لذلك قرر أن يقترب و يرى الأمور عن كثب و لكن لم تكن لديه فكرة عن كيفية الدخول إليها .. 

ففي أحد الأيام , و بينما كان يقف بسيارته بعيدًا , رأى سيارة أحد المطاعم السريعة متجهة إلى تلك الاستراحة , فقام بتغطية وجهه بشماغه و اللحاق بالسيارة , و ما أن توقفت أمام الباب , حتى قام إياد بإنزال السائق و وضعه في المقاعد الخلفية لسيارته و ضربه بشدة , و لكن ذاك السائق الآسيوي قام بالتوسل و بدأ بالبكاء طالبًا من إياد عدم ضربه و قائلًا له بأنه يستطيع أخذ ما يريد .. !

توقف إياد عن ضرب الرجل و طلب منه خلع ملابسه الخاصة بالمطعم و كذلك قبعته , ارتداها إياد و حمل أكياس الطعام و توجه نحو الباب ليطرقه , و لكن كان الباب مفتوحًا ! ..

فدخل بهدوء و هو ينظر في جميع الاتجاهات بتوتر و خوف , شاتمًا نفسه على موافقته لفعل هذا الأمر من أجله مديره ! ..

كانت أصوات الأغاني تصدح في جميع أرجاء المكان , و بعد دقائق , كان يرى عدة فتيات بملابس لا تخفي شيئًا , و هن يمشين باتجاه المبنى الداخلي للاستراحة .. 

تراجع إياد عندما رآهن و اختبئ خلف أحد السيارات المركونة بالداخل , و بعدما دخلن , وضع الطعام على الأرض و أخرج هاتفه و قام بتصوير كل شيء ! .. صوت و صورة ! ..

و بينما كان يتراجع و هو ينوي الرحيل , شد انتباهه غرفة صغيرة تقع في الطرف الآخر من المكان , حيث يفصل بينهم مساحة كبيرة من العشب و الزرع .. قرر إياد التهور بعض الشيء , و اتجه نحوها .. 
كانت الاستراحة مظلمة و يبدو بأن الجميع موجودون داخل المبنى الذي دخلن إليه الفتيات ..

وصل إياد إلى الغرفة و هو يدعو الله أن لا يراه أحد , و ما أن دخل حتى تجمدت أطرافه من المنظر أمامه ..! 

لقد كان فيصل مستلقٍ على الأرض و هو يهذي بكلام غير مفهوم أبدًا .. و قد تناثرت حوله أكياس صغيرة فارغة إلا من بعض المساحيق البيضاء التي ملأ بعضها أنف فيصل .. و قد وجد بجانبه إبرتان صغيرتان .. توجه إياد نحوه بسرعة و هو يهمس بخوف :

" فيصل , فيصل استيقظ .. ماذا حصل لك ؟! .. أرجوك استيقظ , هل تسمعني ؟! "..

و لكن فيصل كان بالكاد يفتح عيناه و قد بدأ بمسح أنفه بشدة و بدأ بالعطاس , أما إياد فقد نظر إلى أكمام ثوبه التي ارتفعت و أظهرت ذراعه المملوءة بالبقع الزرقاء و السوداء الناتجة عن الإبر التي كان يتعاطاها ..

قام إياد بحمله بين ذراعيه و الذي بدا خفيفًا للغاية على عكس اعتقاده .. و مشى به نحو الخارج باتجاه سيارته دون أن يلـحـظـــِھّ أحد .. وضعه في المقاعد الخلفية و مشى بسرعة نحو منزل حمد , و نزل طارقًا الباب بشدة ..

كان عادل مستيقظ في هذا الوقت مثل كل يوم بانتظار أخيه , فقفز خائفًا من هذا الطرق السريع على الباب , خرج من غرفته بسرعة و نزل السلالم على أطراف أصابعه , فتح الباب ليتفاجأ بإياد حاملًا فيصل بين ذراعيه و يبدو على كل منهما الإرهاق الشديد .. أدخل عادل إياد إلى المنزل و أخذه إلى الطابق العلوي حيث تقع غرفة فيصل ..

قاموا بوضعه على سريره و تغطيته جيدًا .. أما عادل فقد بدأ يسأل إياد عمّا حصل .. و لكن إياد قال بأنه لن يخبره قبل أن يخبر والده بالأمر ..

كان عادل شديد القلق على فيصل من والده , و قد توسل إلى إياد ليخبره عما حصل و يخفي الأمر عن والده ولكن إياد رفض بشدة , و أخبره بأن والدهم يعلم عن خروج فيصل المتأخر , و أن الوقت قد تأخر كثيرًا لإخفاء الأمر عنه .. و أن والدهم أوصاه بمراقبة فيصل منذ عدة أيام ..

خرج إياد من المنزل محمّلًا بقصة هذه الليلة المريعة , أما عادل فقد جلس بجانب أخيه و هو يندب حظه السيء , و تصرفات فيصل المجنونة .. 

أخبر إياد مديره عن كل ما حصل في تلك الليلة , و أطلعه على الصور و مقاطع الفيديو التي أخذها .. و أخبره عن الوضع الذي رأى فيصل فيه , و كل تلك المخدرات و الإبر التي كانت بجواره ..

أما حمد فقد اتخذ قراره و اتجه نحو منزله مباشرة عند الساعة الثانية ظهرًا ..!


يتبع ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
وسن محمد
عضو نشيط
عضو نشيط
وسن محمد

ٱلبّـلـدُ : اليمن
ٱلجَــنٌسً : انثى
عـ,ـدد آلـمـسـ,ـآهـ,ـمــآت : 207
تـ,ـآريـخ آلـتـسـجـيـ,ـل : 13/01/2016

لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: لماذا ارى ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري    لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Emptyالإثنين فبراير 22, 2016 2:46 pm

كان التوأمان ينامان في غرفة فيصل , حيث استلقى فيصل على سريره و عادل على الأريكة الكبيرة .. 
و لكن ايقظهما صوت صراخ والدهما الجهوري و العالي , و هو ينادي ( فيصل ) ..

قفز الاثنان هرعين إلى الأسفل و قد ذهب فيصل إلى والده , أما عادل فقد وقف في أسفل السلالم و هو يرتجف خوفًا على فيصل الذي يبدو بأن والده قد علم كل شيء عنه ..!

وقف فيصل أمام والده وهو يحاول ألا تلتقي أعينهما .. بلع ريقه بصعوبة و هو ينظر إلى هدوء والده و ذاك الصمت الذي لا يحمل معه سوى العواقب الكاسحة ! ..

اقترب والده منه و هو يسحب ذراعه اليسرى بخفة قائلًا :" ارفع أكمامك "..

نفذ فيصل طلب أبيه و بدأ برفع أكمام قميصه ببطء تحت أعين والده و عادل .. أمسك والده ذراعه مرة أخرى و أخذ يتأمل تلك الرضوض الزرقاء و آثار الإبر التي ملأت ذراعه .. أمسك بذراعه الأخرى و كانت لا تقل ضررًا عن الأولى .. 

قال حمد بهدوء شديد يسبق العاصفة :

" هل تتعاطى يا فيصل ؟! "..

تراجع فيصل إلى الخلف ببطء و قد بدأت شفتاه بالارتجاف و أخذت عيناه ترمشان بسرعة , فرد قائلًا بصوت لا يكاد يُسمع :

" لا ! "..

" إذًا ما هذه العلامات على ذراعيك ؟! "..

" إنــ إنها مجرد .. ممـ مجرد رضوض , لقد تشاجرت مع أحدهم قبل عدة أيام "..

كان حمد واقفًا يستمع إلى أكاذيب ابنه بإنصات تام , و غضب عارم ينمو في داخله خلال ثواني .. قال بحزم :

" لا تكذب علي يا فيصل , أستطيع أن أغفر لك أخطاءك إن اعترفت بها , و لكن لن أغفر لك أكاذيبك أبدًا ! "..

بدأ تنفس فيصل يتسارع و هو يعلم أن هدوء والده و لباقته في الكلام ليست سوى أقنعة يخفي بها عقوباته العنيفة .. و توبيخه الذي يبقى أثره لسنين في الذاكرة ..

صرخ حمد بابنه قائلًا :" هل تتعاطى يا فيصل ؟! .. هذه آخر مرة سأسألك فيها .. و من الأفضل لك أن تجيب بـ نعم , إنني أعطيك فرصة عظيمة للاعتراف و النجاة من عقوبتي , إياك و أن تكذب عليّ , إن لدي ألف طريقة أستطيع أن أعرف بها الحقيقة .. "

قال فيصل بتردد و خفوت , و قد بدأ وجهه يتعرق و قد ملأت الدموع عيناه :

" نـ نعم , و لكــ لكن .. فعلت ذلك بســ بسببك , أنــ أنت دفعتني لفعل هــ هذا "..

" أنا دفعتك لفعل هذا بحياتك يا فيصل ؟! .. بعد هذه السنين التي قضيتها في إنشائكم .. تقول بأنني أنا السبب ؟! "..

قال فيصل بنبرة عالية و قد تظاهر بالثقة :" نعم , أنت دفعتني لذلك , لقد منعتني من كل شيء في هذه الحياة , لقد كنت تتعامل معنا كالنساء تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا , لقد كنت خائفًا علينا من نسمة الهواء , و إياك أن تظن بأننا سعداء بهذا التعامل , بل نحن نكرهه , كيف لي أن أعرف أن المخدرات مضرة إلى هذا الحد إن لم أجربها يومًا ؟! , كيف لي أن أعرف ما تحمله الحياة في طياتها إن لم أعبر خلال حدودك و أغلالك التي وضعتها لنا ؟! "..

لم يكن هنالك رد من قِبل حمد سوى صفعة قوية وجهها إلى ابنه الذي سقط أرضًا و بدأ أنفه بالنزيف الخفيف , نزل حمد إلى مستوى ابنه قائلًا :

" هل هكذا سوف تكافئني يا فيصل ؟! .. هل هذه طريقتك في رد الجميل لوالدك ؟! "..

قال فيصل بوقاحة :" أي جميل تتحدث عنه ؟! "..

قاطعه والده بصراخ :" اصمت , اصمت أيها الحقير "..

نهض حمد و قد سحب فيصل معه للوقوف ..

و لكن عادل تقدم ببطء قائلًا بخفوت :" أبي , أرجــ أرجوك , توقف "..

" إياك و أن تتدخل يا عادل , ابق بعيدًا عن المسألة , إلا إذا كنت ترى بأن أخوك على صواب , فهذه مسألة أخرى ! "..

صمت عادل و قد اخفض عيناه و هو يتراجع للخلف .. 

أعاد حمد نظره إلى فيصل وهو يسأل :" إذا تظن بأنك على صواب ؟! "..

" لم أقل أنني على صواب , بل قلت أنني لم أكن لأعرف بأنني مخطئ إن لم أجرب هذه الأمور "..

" وهل علينا أن نجرب الموت لنعلم بأنه موتًا ؟! .. هل يجب علينا أن نتعاطى المخدرات بتهور حتى نعي بأنها قاتلة ؟! .. إن عذرك أقبح من ذنبك يا فيصل , أقبح منه بكثير .. إن حسرتي ليست عليك , بل على السنين التي قضيتها متأملًا خيرًا بك .. "

" لقد أصبحنا رجالًا يا أبي , رجال , إن المتضرر الوحيد من حبسنا هو أنت , غدًا لن تجد لك سندًا في حياتك , هل تعلم لماذا ؟! .. لأننا لا نعرف شيئًا عن الحياة حتى نصبح لك سند ! "..

دفع حمد ابنه إلى الخلف قائلًا :

" لم تعد ابني يا فيصل , إنك تقول بانك أصبحت رجلًا ! .. هيّا أخرج من منزلي , و أرني ما هي الحياة التي تريدها كـ رجل .. "..

صمت حمد قليلًا ثم أردف :" أنا برئ منك إلى يوم الدين , اخرج من هنا , هيّا "..

تعلقت عينا التوأمان بابيهما , و استدار فيصل نحو عادل قائلًا :

" عادل ! .. قل شيئًا ! .."

و لكن عادل كان مزروعًا في مكانه و لم يقوَ على الحركة ! .. كان يريد أن يطلب من والده التراجع عن كلامه و لكن خاف أن يلقى نفس مصير أخيه ! ..

أعاد فيصل كلامه :" عادل ! .. أرجوك , قل له بأنني لست بذاك السوء ! "..

لم يستطع عادل الرد , و هو يعرف نفسه تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا في هذه المواقف الحرجة , يعرف كيف أنه لن يستطيع النطق بحرف واحد حتّى , و قد اجتاحت جسده موجة من الشلل الكامل ! .. 

تراجع فيصل إلى الخلف نحو الباب قائلًا :" حسنًا , سأذهب , و لكن انظر ".. قال فيصل و هو يشير إلى عادل :

" انظر إلى ابنك الآخر يا أبي , إنه يقف كالفتاة , عاجزًا عن قول أي شيء , هل هذا الابن الذي كنت تتمنى الحصول عليه عندما تزوجت ؟! .. هل هذا هو السند الذي تتوقعه عندما تكبر و تشيخ ؟ سندًا لن يستطيع تزكيتك و لا حتى الوقوف معك في المصائب , سيخذلك دائمًا و أبدًا مثلما فعل معي .. هل هذا هو الابن الذي لطالما أردته ؟! .. ابن ليست لديه الجرأة الكافية للتعاطي مع الحياة و العبور فوق مخاوفه ؟! .. "

صرخ حمد بابنه و هو يدفع خارجًا و يقول :" كفى , لقد قلت لك اخرج ! .. و إياك أن تقلل من شأن أخيك , إن تقول هذا لأنه قاوم رغباته الطائشة في الانحراف , إنه ع** كلمة محظورة .. تم الحذف *** , إنه الابن الذي اريده , شخص بعيد عن التهور و الاندفاع المجنونان , إنك تعيبه لأنه لم يهدر حياته و صحته مثلما فعلت أنت ! .. هيّا اذهب ولا تعد مرة أخرى , لا أريد رؤيتك ولا سماع اسمك أبدًا "..

أغلق حمد الباب و استدار و هو ينادي عادل الذي لم يكن موجودًا ! ..

" عادل , عادل !! "..

و لكن عادل كان يجلس في وسط غرفته و قد انحنى على نفسه كالطفل و هو يميل بجسده إلى الأمام و الخلف .. واضعًا يداه على أذنيه بشدة و قد ملأت الدموع وجهه وهو يشهق بخفوت ! .. همس لنفسه بضعف :

" فيصل , أنا آسف , أنا حقًا آسف ".. استمر بالاهتزاز إلى الأمام و الخلف و صوت فيصل و صراخ أبيه لا يزال صداهما في أذنيه ! .. 

بدأ بالارتجاف وهو يبكي بحسرة أكبر , و قد بدأ بشد شعره بعنف و هو يهمس :

" لماذا ؟ .. لماذا لم أستطع الدفاع عنه ؟! لماذا ؟! " .. وقف وهو يدور في أرجاء الغرفة بجنون , توجه نحو الحائط و واستند إليه و بدأ بضرب رأسه إلى الخلف بقوة قائلًا :

" عادل الفتاة , نعم أنا فتاة , لقد تسبب بطرد أخي ! .. كيف لم أستطع الحديث ؟! .. لقد انتابني شيء ما !! , و كأنما هنالك من يشد بقدماي إلى الأرض و يمسك لساني بشدة , لقد أصابني شلل ! .. نعم , لقد كنت مشلولًا بالفعل ! "..

ظل عادل مستندًا إلى الحائط و هو يلوم نفسه بشدة , حتى بدأ يشعر بالدوار و قد انزلق إلى الأسفل و نام في مكانه و هو يهمس باسم أخيه بحسرة , و موقنًا بأنه لن يراه مرة أخرى أبدًا ! ..





.. نهاية الفصل 17 ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
وسن محمد
عضو نشيط
عضو نشيط
وسن محمد

ٱلبّـلـدُ : اليمن
ٱلجَــنٌسً : انثى
عـ,ـدد آلـمـسـ,ـآهـ,ـمــآت : 207
تـ,ـآريـخ آلـتـسـجـيـ,ـل : 13/01/2016

لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: لماذا ارى ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري    لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Emptyالإثنين فبراير 22, 2016 2:53 pm

الفصل الثامن عشر 18 :






تابع ( قبل 30 سنة ) ..

خرج من المنزل محملًا بأحلامه و مأساته على عاتقيه , تاركًا خلفه جزئه الآخر و صندوق أسراره , الذي خذله عند أول مصيبة وقعت ..

مشى حافي القدمين وهو يفكر أين سيمضي هذه الليلة ؟! أو بالأصح , أين سيقضي المتبقي من عمره ؟! .. تذكّر أنه لا يحمل المال و لا حتى مبلغًا صغيرًا يشتري به غداءً لنفسه , أدخل يديه في جيوبه و ابتسم سعادةً عندما وجد هاتفه , أمسك به وهو يفكر بمن سيتصل ! .. هل يستعين بالشرطة لإيجاد ملجأ ؟ و لكنه خاف أن يعرفوا بشأن المخدرات التي كان يتعاطاها , و ينتهي به المطاف بالسجن و يكون هذا هو ملجأه ! .. 
فكّر كثيرًا وهو يمسك بهاتفه أسفل شمس الظهيرة الحارقة , مشى قليلًا ليستظل أسفل إحدى النخلات في الطريق .. وهو يلمح نظرات السائقين إليه , بعضهم كان ينظر بشفقة , و البعض باشمئزاز و كبرياء !..

أعاد نظره إلى هاتفه و قرر الاتصال بعبدالرحمن , و ما لبث ذاك كثيرًا حتى رفع السماعة قائلًا :

" أهلًا فيصل "..

" عبدالرحمن , أهلًا , لابد من أنني أيقظتك من قيلولتك ! "..

" لا , لا عليك , كنت مستلقيًا فحسب , ما الأمر ؟! "..

تردد فيصل بالحديث قليلًا , حيث قال عبدالرحمن و هو ينهض من سريره :

" فيصل أأنت بخير ؟! "..

قال فيصل بسرعة وكأنما سؤال عبدالرحمن حفزه على الكلام :" لا , لست بخير , أنا في ورطة يا عبدالرحمن , بل مصيبة ! "..

" يا إلهي .. ماذا حصل ؟! "..

" إنه موضوع ضخم للغاية , لا أستطيع الحديث عنه الآن , هل يمكنني أن آتي إليك في منزلك ؟!"

" بالتأكيد , أنا في انتظارك "..

توجه فيصل نحو منزل عبدالرحمن , الذي كان يسكنه لوحده , حيث كانت عائلته قد انتقلت للعيش في الخرج , أما هو فقد بقي في الرياض ليكمل دراسته الثانوية و الجامعية فيها ..

وصل فيصل بعد نصف ساعة وهو يتعرق بشدة و بالكاد كان يستطيع التنفس , فقد قطع الطريق مشيًا على الأقدام و قد كان على وشك تلقي ضربة شمس حادة !..

طرق الباب بسرعة و فتح له عبدالرحمن , و قد تفاجأ بوجه صديقه الأحمر و قد أحاطت بعيناه هالات سوداء , و امتلأ وجهه عرقًا . دخل إلى المنزل و لكن سرعان ما أصابه دوار و سقط على ركبتيه و هو يتنفس بصعوبة , هلع عبدالرحمن من منظر صديقه و انحنى إليه قائلًا :

" فيصل ! .. أكنت تمشي بالشمس طوال الطريق ؟! "..

هز فيصل رأسه بـ نعم , و هو يسعل و يعود للتنفس بعمق , ساعده عبدالرحمن على النهوض قائلًا :

" أنت حقًا متهور ! , لقد كان من الممكن أن تتعرض لضربة شمس أو أي شيء من هذا القبيل , لماذا لم تأخذ سيارة والدك للمجيء ؟! أو تستقل سيارة أجرة على الأقل ؟! "..

نظر فيصل إلى عبدالرحمن بحدة عندما ذكر والده , وهو يعود برأسه إلى الوراء مسترخيًا على الأريكة و قد وضع يديه على رأسه ..

طال صمت فيصل وهو جالس بهدوء , و قد دارت الشكوك في عقل عبدالرحمن , فنهض ليجلب بعض الماء البارد لصديقه و وضعه على الطاولة و عاود الجلوس و هو يضع يده على كتف فيصل بلطف قائلًا :

" فيصل , ألن تخبرني ما بك ؟! لقد قلت أنك في ورطة , ما الأمر , أنا كلّي آذان صاغية "..

تنهد فيصل بتعب و هو يأخذ كأس الماء و يشربه كاملًا , ثم نظر إلى صديقه قائلًا :

" هل أستطيع أن أمكث هنا معك ؟! أعني أن أمكث طوال عمري ؟! "..

تغيرت ملامح عبدالرحمن وهو يقول :" ماذا حدث يا فيصل ؟! .. لم قد تسكن في مكان غير منزلك ؟ .. عذرًا أنا لا أقصد أنك لا تستطيع البقاء هنا و لكن .. لماذا ؟! و ماذا عن والدك و أخوك ؟! ماذا حصل ؟! "..

تنهد فيصل و هو يثبت نظره على الأرض باستغراق ثم قال :" لقد عَلِم والدي ".. صمت قليلًا ثم أكمل :" لقد عرف أنني أخرج لوقت متأخر كل يوم , لقد عرف عن الأمر برمته ! "..

تساءل عبدالرحمن :" و قد خرجت من المنزل هربًا من عقوبته ؟! "..

نظر فيصل إلى عبدالرحمن ثم قال بهدوء :" لا , لم أهرب .. بل تبرأ هو مني و طردني "..

فتح عبدالرحمن عيناه بصدمة و هو يجهل السبب تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا , فقال :" تبرأ منك ؟! .. أنت لم تفعل شيئًا شنيعًا ليطردك هكذا !! "..

" إنه لم يعرف فقط عن أمر خروجي , بل عرف أيضًا بأمر المخدرات يا عبدالرحمن "..

" لقد كنت تتعاطى طيلة الفترة الماضية أليس كذلك ؟! "..

هز فيصل رأسه بالإيجاب و هو يمسح عينيه بيديه و بإرهاق تام ..

قال عبدالرحمن :" لقد كنا أنا و عادل نظن ذلك , و لكننا أحسنّا الظن بك ! "..

نظر فيصل إلى صديقه بحدة قائلًا :" إياك و أن تحدثي عن ذاك الجبان ! .. أهذا مفهوم ؟! .. ذاك الطفل لم يعد أخي .. لقد كسرني صمته أكثر من عتاب والدي و براءته مني !! .. "

" عادل ؟! "..

" نعم , عادل .. لم يحاول التحدث أو توضيح الأمر لوالدي أبدًا , لقد وقف ضدّي .. سأجعله يدفع ثمن ضعفه و صمته ذاك الجبان "..

لم يتمالك عبدالرحمن نفسه و قال :" ستجعله يدفع الثمن ؟! لماذا ؟! .. لم يفعل عادل شيئًا ! "..

وقف فيصل و هو يرمي بكلامه عبدالرحمن :" أنت في صفه أيضًا ؟! .. ستقف ضدي أليس كذلك ؟! .. لابد من أنك تراني الان بصورة الفتى الضائع .. أتعلم شيئًا ! لقد أخطأت عندما استنجدت بك ".. انهى فيصل حديثه و هو يتوجه نحو الباب و ما كاد أن يخرج حتى سحبه عبدالرحمن إلى الداخل مجددًا و هو يقول :

" لن تذهب , أنت لم تفهم قصدي بعد "..

" لا أحتاج لفهمه , إنه واضح ".. حاول فيصل إزاحة عبدالرحمن عن الباب و لكن صديقه أمسك به من كتفيه و هو يصرخ بوجهه :

" فيصل !.. ماذا أصابك ؟! .. هل تريدني أن أكون ذاك النوع من الأصدقاء الذين يقولون أنك على حق دائمًا ؟! ..هل تريدني أن أقول بأنك أحسنت صنعًا عندما أضعت مالك و شبابك في المخدرات ؟! .. أو أن أخرج الآن لأشتري لك المزيد منها ؟! هيّا أجبني ! "..

أشاح فيصل بنظره و قد أنهكه التفكير في نفسه و في وضعه الراهن .. و لم يستطع الإجابة على عبدالرحمن الذي قال :

" نعم يا فيصل , لقد كان عادل على حق , حتى و إن لم يقل شيء , ماذا كنت تتوقع منه أن يقول ؟.. هل أردته أن يدافع عنك و يصرخ في وجه والدك قائلًا بأن المخدرات ليس حرامًا أو عيبًا ؟! .. "

رد فيصل باندفاع قائلًا :" لا , لم أكن أريده أن يقول ذلك , و لكن كان عليه على الأقل أن يجعل والدي يتراجع عن قرار البراءة مني و طردي ! "..

" أنا لست ضدك , عليك أن تضع هذه العبارة في رأسك دائمًا , عندما أتـــــــ♥̨̥̬̩ــــيـــت♥̨̥̬̩ إلي قبل ربع ساعة و استنجدت بي , كنت قد وعدت نفسي سرًا أن أقف معك و أساندك حتى النهاية .. و أول أمر سأفعله بصفتي صاحبك هو أن أخبرك أنك على خطأ , لن أكون صديق سوء , و بما أنك في منزلي الآن , فعلينا سوية أن نناقش هذا الخطأ جيدًا .. "

بدأ أعصاب فيصل ترتخي مع نبرة عبدالرحمن المساندة له , و الذي أكمل قائلًا بابتسامة :

" إن كنت تريد المكوث هنا طوال عمرك , فليس لدي مانع .. و لكن بشروطي "..

" شروط , مثل ماذا ؟! أن أعمل كخادمة و سائق لديك ؟! "..

ضحك عبدالرحمن على صاحبه قائلًا :" متى ستصبح أكثر جدية ! .. على العموم , لدي شرط واحد .. لا مزيد من المخدرات , اتفقنا ؟! .. و يمكنك فعلت ما شئت في هذا المنزل "..

" و لكن .. "

" لا تقل و لكن ! .. أنا أعلم بأنك قد دخلت مرحلة الإدمان الآن , و هذا واضح على وجهك .. أعلم بأنك ستختبر أيام عصيبة , و قد تفعل أي شيء مقابل جرعة صغيرة , و لكن لا تفعل .. فُز بمعركتك ضد نفسك أرجوك .. سأفعل كل ما تريده مني و لكن توقف عن هذه السموم "..

تنهد فيصل و قال بتهرّب :" سأحاول .. "..

" إذًا .. مرحبًا بك في منزلك ".. عانق عبدالرحمن رفيقه الذي بدا هزيلًا مقارنة بالأشهر التي مضت .. قائلًا له :

" هيّا تعال معي , هناك غرفة فارغة في الأعلى , ستمكث فيها "..

صعد الاثنان و بدآ بترتيب الغرفة و تنظيف الغبار .. بينما ذهب عبدالرحمن لجلب ملاءات و وسادات جديدة من غرفته و إعطائها لصاحبه .. 

انتهى الاثنان من تجهيز الغرفة و اصطحب عبدالرحمن فيصل معه لتناول الغداء قبل صلاة العصر .. ثم توجها لأحد المراكز التجارية لشراء ملابس و أساسيات قد يحتاجها فيصل .. و عندما خرجا قال فيصل بخجل من صاحبه :

" عندما أحصل على بعض المال , سأعيد لك ما دفعته .. "

رمق عبدالرحمن صاحبه بغضب .. فقال فيصل :

" لا تنظر إلي هكذا , أنت لست ملزم بمصاريفي ! .. سأذهب لأبحث لي عن وظيفة ليلية .. "

" و لم هذه الرسميات أيها التافه ؟! .. نحن كالأخوة .. لا داعي لهذا الحديث , نستطيع أخذ المال من بعضنا دون هذه الأحاديث السقيمة ! "..

" أعلم , ولكني لا أزال مصرًّا على إيجاد وظيفة , نحن نتشارك المنزل و لابد أن نتشارك المصاريف أيضًا "..

" فيصل , إن والدي يبعث لي بمبلغ كبير كل شهر , 5000 ريال , إنها كافية لنا .. لم تريد إرهاق نفسك بوظيفة ؟! "..

" لا بأس يا عبدالرحمن , أنا أعرف بأنك لن تمانع من مساعدتي ماديًا , و لكني أريد قضاء وقتي في شيء نافع , لعله ينسيني رغبتي بالتعاطي ! "..

" صحيح , لم أنتبه لهذه النقطة , و لكن ماذا بشأن دراستك ؟! .. لقد بقي شهران فقط على التخرج ! .. عليك أن تكمل يا فيصل , لا تجعل سنوات الدراسة الماضية تذهب سدًى ! "..

" لا , لن أفعل .."

فتح عبدالرحمن عينيه بصدمة قائلًا :" فيصل , أأنت جاد في كلامك ؟! .. لقد بقي شهران فقط ! .. إن استطعت انهاؤها فستمتلك شهادة ثانوية و هذا سيكون رائع , و إن لم تفعل .. فذلك سيصعب عليك فرصة إيجاد وظيفة ! "..

" لا أهتم .. ليس هنالك أمر أطمح إليه "..

" فيصل , لا يمكنك العيش هكذا بدون أمل , ذلك سيودي بك إلى الهلاك , أنا لست دائمًا لك و لا أحد على هذه الحياة سيدوم لك , عليك أن تكمل تعليمك , تعليمك الثانوي على الأقل ! "..

صرخ فيصل منفعلًا :" لقد قلت لك لا ! .. لا أريد أن أتواجه مع عادل في المدرسة ؟! .. أفهمت الآن ؟! .. و لا أستطيع أن أنتقل إلى مدرسة أخرى , نحن في نهاية السنة الدراسية و ذلك سيكون مستحيلًا , و لن أؤجل دراستي إلى السنة القادمة , و أعاود دراسة كل شيء من جديد ! .. سأتوقف فحسب , لن أكمل دراستي , سأبحث لنفسي عن أي عمل لأقوم به "..

" ستتنازل عن الشهادة حتى لا تصطدم بأخيك في المدرسة ؟! .. أترى أن هذا عذر منطقي ؟! "..

" إن كنت في نفس وضعي يا عبدالرحمن , فستتفهم موقفي , ستعرف كيف أنه من المميت أن تصطدم صدفة أو تلتقي عيناك بعينا ذاك الشخص الذي حطّمك ! "..

" و ها أنت تقول أنه حطمك ! .. فهل ستترك دراستك من أجل شخص فعل ذلك بك ؟! "..

" أنا لن أترك الدراسة بسببه , و لكن ... لقد اكتفيت يا عبدالرحمن , لن أستطيع الإكمال , لا أستطيع التركيز بشيء , لقد تغيرت حياتي رأسًا على عقب , إن أكملت دراستي فسأرسب ! .. إن عقلي لم يعد مِلكي ! .. لا أستطيع .. "

هز عبدالرحمن رأسه بهدوء و هو يقود السيارة متجهًا إلى المنزل .. لقد كان هذا أول يوم لهم سوية , و قد اكتفى عبدالرحمن من الحديث عن عادل , و قد لاحظ أن فيصل مشتت طوال اليوم , و قد ملأت الكسور قلبه و روحه ..

لم يستحمل عبدالرحمن منظر فيصل الذي اختفت منه معالم القوة التي كان يتحلى بها سابقًا , و التي حل محلها الضعف و الخجل , و ذاك التمرد الذي يُخفي وراءه حطام روحه .. 

بدأت بذرة صغيرة من الكره تنمو في عبدالرحمن تجاه عادل ! .. و ذاك الكره لم ينمو بسبب شخصه , بل بسبب الأثر الذي تركه عادل في توأمه .. !


**********


مضت الأيام و كان فيصل يتردد إلى جميع المحلات التجارية التي يعرفها و مراكز الخدمات بحثًا عن وظيفة , حيث كان يمضي فترة ما بعد العصر في البحث , و لا يعود إلى المنزل إلا عندما يتوّسط القمر السماء ..

و بعد عدة أشهر.. و بعد عدة محاولات في البحث , حصل أخيرًا على وظيفة بائع في إحدى محلّات الخضار و الفواكه ..

كان يشعر ببعض الذل و هو يقف بين الخضار و يملأ الأكياس للزبائن , و قد أحاط به عددًا من العمالة العربية و الآسيوية الذين يعملون معه , و قد كان هو السعودي الوحيد المتواجد .. كانت تجتاحه كثيرًا مشاعر العزة بالنفس و الشعور بتدنّس الكرامة , و قد نسي تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا أن العمل و كسب الرزق باليد هو خير و أشرف من طلب المال من الآخرين و التوسل , و لم يكن هو الوحيد الذي يشعر بذلك , بل أغلب العمالة السعودية الذين يعملون في وظائف صغيرة مثل فيصل و برواتب متدنية .. و قد تغلغلت لديهم قناعة سلبية قديمة بأنهم خُلِقوا ليَشغلوا وظائف و مناصب أعلى ! ..

و لكن فيصل كان يفكر كثيرًا في حياته السابقة .. و كيف أنه كان يسكن قصرًا كبيرًا يملأه الخدم و كل ما لذ و طاب , و قد انتهى به المطاف شريكًا في السكن مع صاحبه , و موظفًا في محل صغير .. 
و لكن الحرية التي وجدها في وضعه الحالي كانت تساوي عنده ملايين القصور , و قد وجد الراحة و الشعور بالنضج في كل مرة يخرج فيها من المنزل وقتما يريد , و عندما يصحو صباحًا دون أن يقوم أحدًا بالتحقيق معه فيما فعل و ما لم يفعل .. 

مضت السنوات , و قد ارتقى فيصل في عمله حيث أصبح يدير المكان بأكمله , و قد زاد راتبه بمعدل خفيف , أما عبدالرحمن فقد كان يخوض تجربته الجامعية بجدارة .. 

تخرّج عبدالرحمن , بعمر الـ 23 عامًا , و بدأ والده بالبحث عن وسطاء و معارف ليجدوا لابنه وظيفةً حكومية .. و بعد عدة أشهر , بشّر والد عبدالرحمن ابنه بأنه وجد له وظيفة رسمية في أحد القطاعات الحكومية في الخرج ..!

فرح عبدالرحمن و فيصل لهذا الخبر , و قد خرج فيصل من المنزل ليشتري عشاءً فاخرًا لهذه المناسبة المفرحة .. و ما أن انتهوا من تناول الطعام , حتى تحدّث فيصل قائلًا :

" و للمرة الألف أقول لك , مبروك الوظيفة , أنت تستحق كل خير فعلًا "..

ابتسم عبدالرحمن بهدوء و قال :

" بارك الله فيك , و لكن .. إن الوظيفة في الخرج ! "..

" و ما المشكلة في ذلك ؟! , أعني بأنه أمر رائع , ستكون قريبًا من والديك و إخوتك ! "..

" نعم أعلم , و لكن ماذا عنك أنت ؟! .. إن كنت سأذهب أنا للاستقرار هناك ؟! "..

" عبدالرحمن , أنا لست طفلًا , أستطيع تدبر أمري , قم ببيع هذا المنزل , و أشتري بقيمته منزلًا آخر هناك , أما أنا فسأبحث لنفسي عن منزلًا للإيجار أو شقة , لا تحمل همي "..

" لن أبيع المنزل , لقد حدّثني والدي عن هذا الأمر قبلك , قال بأنه سيزودني ببعض المال لترميمه و إعادة تأثيثه .. أما أنت , فستسكنه في غيابي "..

" لا يا عبدالرحمن , هذا كثير .. أقصد ماذا إذا أراد أهلك أن يأتوا إلى هنا في الإجازات مثلًا ؟! .. أو لزيارة أحدٍ ما ؟! .. سيكون هذا محرجًا "..

" فيصل , أظن بأننا قد تخطينا الرسميات بيننا منذ سنوات ! .. توقف عن الحديث بهذا الشكل , لماذا لا تزال تخجل مني ؟! .. أنا لا أريد منك شيئًا عندما أكرمك , أريدك فقط أن تعيش هنيئًا , أما بخصوص أهلي , فليس لهم حاجة في الرياض ليزوروها , إن كل معارفهم في الخرج .. سيكون من النادر أن يأتوا إلى هنا "..

" حسنًا ... ".. كان فيصل يفكر بطريقة ليشكر بها صاحبه , و لكن ضاعت الكلمات منه فجأة , فقرر أن يشكره دون مقدمات :

" شكرًا , أنا حقًا لا أعرف كيف أرد لك الجميل .. لا تقل أنني أتحدث برسمية الآن , أنا حقًا عاجز عن رد المعروف لك "..

" في الواقع أنا من يجب أن يشكرك , لقد كنت تؤنس وحدتي و غربتي طوال السنين الماضية , لقد اعتدت وجودك معي .. و إن المعروف الوحيد الذي أريد منك إسدائه إلي , كنت بالفعل قد أسديته فيما مضى ! "..

" ماذا تقصد ؟! "..

" إدمانك يا فيصل , لقد تخلصت من إدمانك , إن رؤية وجهك و قد دبت فيه الحياة مرة أخرى , و زوال ذاك الشحوب الذي اكتسى ملامحك و جسدك كفيلٌ بجعلي أحمد الله على ما أكرمك به "..

تمتم فيصل قائلًا :

" صدقت , الحمدلله ".. 

كان لا يزال مكسورًا من الداخل على ما حدث منذ 5 سنوات .. أن يعبر من خلال نقطة تحوّل قاسية , بعدما تخلى عنه أقرب الناس إليه , توأمه : عادل .. كان شديد التعجب لأمر أخيه , كيف أنه لم يحاول البحث عنه أو إصلاح من اقترفه .. أو حتى زيارة سريّة يصلح بها بعضًا من الماضي .. 

" كيف له أن ينساني هكذا ؟! .. كيف انتهت هذه السنوات الخمس دون أن أصادفه ؟! .. لماذا لم يبحث عني ؟! .. أو حتى يحاول الاتصال بي ؟! .. كنت سأسامحه إذا التقيته و رأيت نظرات الندم تشوب عيناه ! .. و لكنه لم يأتِ .. يا ترى ماذا يفعل في هذه اللحظة ؟! .. أين هو و ماذا يدور في عقله ؟! .. هل انهى دراسته الجامعية , أم أنه دفن نفسه بذكراي مثلما فعلت أنا بنفسي ؟! و والدي , ماذا بشأنه ؟! .. ما الذي طرأ في حياته خلال هذه السنوات ؟! .. هل ما يزال غاضبًا مني ؟! .. أم أنه سيعانقني بذراعيه و دموعه إن حصل يومًا و جمعتنا طرقات هذه المدينة ؟! "...


**********


انتقل عبدالرحمن إلى الخرج فور صدور قرار تعيينه , تاركًا فيصل يعيش حياته في الرياض , و قد أعطاه المسؤولية و الحرية الكاملتان للتصرف في منزله ..

مضت الأشهر و فيصل يواجه أيامًا روتينية للغاية , و لكن كان الإحباط و اليأس يزدادان في داخله بشكل مأساوي .. و لكنه ظل يقول لنفسه أنه سيعتاد على هذه الحياة لوحده , خصوصًا بعد رحيل عبدالرحمن , و انعدام الحياة من هذا المنزل ..

كان يقضي ليالٍ طوال و هو يجهل ماذا سيفعل غدًا أو حتّى ماذا يريد من حياته ! .. كانت عيناه لا تعرفان النوم الهنيء , مجرد غفوات صغيرة يتخللها الكثير من الفزع و التعرق .. 

بعد سنة من رحيل عبدالرحمن , لم يعتد فيصل شعور الوِحدة الذي بدأ يكتسي كل شيء من حوله , بل زاده ذلك انتكاسًا و رغبة في العودة إلى سمومه القديمة ! ..

فقد أصبح ينفق ثلاثة أرباع راتبه في شراء المخدرات بشكل دائم , و قد رأى بأن حياته لم تتحسن خلال الست سنوات التي مضت و التي ظن أن حياته ستزدهر فيها مع كل هذه الحرية و الاستقلالية اللتان دخلتا حياته و ملأتها ..

في إحدى الأيام خرج من المنزل و قد أمضى 4 ساعات و هو يتجوّل في الشوارع من غير وِجهة محددة , و قد قطع مسافة كبيرة بعيدًا عن المنزل .. و ما أن وقف أمام محل للعصائر لشراء بعض المشروبات .. حتى لفت نظره شاب يقف بعيدًا و يحدق إليه .. تجاهل فيصل أمر الشاب و عاد إلى المشي نحو المنزل مرة أخرى , و لكنه توقف عندما اقترب ذاك بشكل كبير و هو يقول :

" هذا مستحيل ! .. رُبّ صدفة خيرٌ من ألف ميعاد !! "..

التفت فيصل إلى الرجل متسائلًا :" عفوًا ! .. هل أعرفك ؟! "..

" أنت فيصل أليس كذلك ؟! فيصل سليمان ؟! "..

" نعم , هذا أنا , ما الأمر ؟! "..

ابتسم الرجل و عيناه تحملان بعضًا من الصدمة و قال :

" أنا محمد ! .. لقد كنّا زملاء في الثانوي , ألا تتذكرني ؟! "

كره فيصل الوضع كونه قد تصادف مع صديق قديم قد يعيد له ذكريات لا يريدها , ولكنه اضطر للوقوف و الابتسام للصديق القديم :

" أها نعم , نعم , تذكرتك ! "..

وقف الشابان يتبادلان التحية و السلام حين قال محمد :

" أين كنت يا فيصل طوال هذه السنين ؟! .. لقد قلب عادل الدنيا عليك ! "..

سرت رعشة في جسد فيصل من حديث محمد , و رد قائلًا :

" و لماذا كان يبحث عني ؟ "..

" لا أعلم , و لكنه لم يترك مكانًا لم يبحث فيه , و قد سأل الجميع عنك و حقق بشأنك "..

" متى كان ذلك ؟! "..

" لا أعلم ! .. قبل سنوات عديدة , ربما في أيام الثانوية ! .."

صمت فيصل غير مصدقًا ما قاله محمد للتو ! .. و قد بدأت يتساءل في نفسه :
" عادل كان يبحث عني ؟! .. هل كان حقًا يكترث لشأني ؟! .. "

قال فيصل بسرعة :

" نعم , تذكرت الآن ! .. لقد حصل خلاف بسيط بيننا في أحد الأيام و غادرت المنزل , و لكنني عدت من جديد , شكرًا على سؤالك يا محمد "..

صمت فيصل قليلًا ثم أخذ يفكر : إن كان عادل قد بحث و سأل الجميع عني , فلابد أنه سأل عبدالرحمن عني أيضًا ! .. 

قال محمد :" لم يكن عادل يبحث لوحده , بل كنّا جميعًا معه ! "

" جميعكم ؟! من تقصد ؟! "

" أقصد أصدقائك القدامى , أنا , أسامة , عبدالرحمن و الآخرون ! "..

هز فيصل رأسه بشرود ثم قال : " لم يكن عليكم أن تحملوا همّي "..

" لا عليك , لقد قلقنا كثيرًا بشأنك , و لكن تسعدني رؤيتك الآن "..

" هذا لطف منك , أعذرني الآن , علي الذهاب لإنهاء بعض المشاغل , ربما ألتقيك لاحقًا "..

قرر فيصل قطع الحديث بسرعة , قبل أن يقوم محمد بسؤاله أكثر عن تفاصيل حياته .. و عاد متوجهًا إلى المنزل و رأسه مليء بالأسئلة :

" عبدالرحمن شارك عادل في البحث ؟! .. و لماذا لم يخبرني عن ذلك ؟! .. لم أخفى هذا الأمر عني ؟ لماذا لم يكن يريد جمع شملي مع أخي ؟ هل لأني كنت دائم الشتم لعادل بعدما تركت المنزل ؟ و قد كنت أرمي كل اللوم عليه طوال الوقت ؟ لم لَمْ يحاول عبدالرحمن أن يجعلنا نجتمع سوية لحل خلافنا ؟ ربما خشي أن أرفض ملاقاة أخي و التعرض للإهانة مرة أخرى ! .. هل اتصل عليه و أسأله ؟ أم التمس له الأعذار ؟ "..

ظل فيصل يلتمس لعبدالرحمن الأعذار على عدم إخباره بشأن بحث عادل عنه ! .. و قد حاول الاتصال كثيرًا بعبدالرحمن و لكنه خاف أن يحرجه , فظل فيصل ملتزمًا الصمت و مفضلًا العيش في عزلته لأيام عمره القادمة ..





يتبع ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
وسن محمد
عضو نشيط
عضو نشيط
وسن محمد

ٱلبّـلـدُ : اليمن
ٱلجَــنٌسً : انثى
عـ,ـدد آلـمـسـ,ـآهـ,ـمــآت : 207
تـ,ـآريـخ آلـتـسـجـيـ,ـل : 13/01/2016

لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Empty
مُساهمةموضوع: رد: لماذا ارى ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري    لماذا ارى                    ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري  - صفحة 5 Emptyالإثنين فبراير 22, 2016 2:57 pm

تابع ..


بعد مرور سنة على لقاء فيصل بمحمد , قرر عبدالرحمن المجيء إلى الرياض في أحد إجازاته و زيارة فيصل , و قد أجرى اتصالًا هاتفيًا معه في طريقه إلى الرياض :

" فيصل ؟ "

" مرحبًا عبدالرحمن , ما الأخبار ؟ "..

" الحمدلله بأفضل حال , اسمع , أنا قادم إلى الرياض الآن , و ربما أقضي 3 أيام عندك "..

" حقًا ؟ هذا سيكون رائع , سأقوم بتجهيز غرفتك حالًا "..

" لا , لا تفعل , سأجهزها أنا عندما أصل , قد يستغرق وصولي بضع ساعات , و ربما أصل مع آذان الفجر .. اذهب أنت للنوم , كنت أود إعلامك بالأمر فقط "..

" و لماذا لم تؤجل مجيئك إلى الصباح ؟ سيكون الطريق خطِرًا في هذا الوقت المتأخر ! "..

" لا بأس , يفصل بيني و بينك ساعتان فقط .. و في الواقع , لقد سئمت من أجواء الخرج , فلم أستطع انتظار الصباح ! "..

ضحك فيصل قائلًا :" إن الرياض لا تقل مللًا عن الخرج ! .. على العموم , انتبه لنفسك و قِد بحذر "..

" حسنًا سأفعل , عمت مساءً "..

أغلق عبدالرحمن الهاتف و أكمل قيادته , و قد وصل إلى الرياض في الساعة الخامسة فجرًا , و دخل إلى المنزل الذي كان مظلمًا خاليًا من الأضواء و الأصوات , كان يريد أن يدخل على فيصل في غرفته ; ولكنه توقع بأنه نائم , فقام بتأجيل لقائهما إلى أن يستيقظ , توجّه عبدالرحمن إلى غرفته و قد كانت مرتّبة و مجهزة من قِبَل فيصل , ابتسم عبدالرحمن لما فعله صديقه , و دخل ليستحم و يصلي الفجر ..

و بعدما انتهى , توجه نحو المطبخ ليعد لنفسه وجبة خفيفة , و لكنه توقف عندما سمع صوت ارتطام آتي من الدور العلوي , صعد إلى الأعلى و هو يمشي ببطء محاولًا تخمين مصدر الصوت , و ما أن وصل إلى غرفة فيصل , حتى نسي أمر الصوت , و قرر إيقاظ صديقه للصلاة .. و لكن ما أن دخل حتّى انصدم بمنظر فيصل المستلقي أرضًا وهو يرتعش بشدة !! ..

ركض عبدالرحمن نحوه بفزع وهو يهز كتفي فيصل صارخًا باسمه , بينما كان الآخر يواجه نوبة قلبية حادة ليس لها مثيل , فبعد أن تعاطى جرعة كبيرة من المخدرات , تضرر قلبه بشكل مأساوي , و من المعلوم أن عند التعاطي , فإن احتمالية الإصابة بنوبة قلبية قد تصل إلى 2400% !!

حمل عبدالرحمن صديقه بين يديه و نزل راكضًا نحو السيارة و هو يتنفس بعلو و خوف و قد اختفى لونه و شحب وجهه ..

ذهب به إلى المستشفى .. حيث التقى الطبيب المتدرب ( خالد ) !! .. الأخ الأكبر لسلطان !

كان عبدالرحمن ينظر إلى فيصل بعينين غارقتين بالدموع و الندم لتركه لوحده الفترة الماضية , كان يريد أن يستنجد بأحد في هذه اللحظات , و أن يكون هناك من يربت على كتفه و يطمئنه على صاحبه .. كان ينظر إلى فيصل بحسرة كبيرة على شبابه و صحته اللتان قاربتا على الفناء و الزوال , كان يعلم أن اللحظة قد حانت ليستدعي عادل إلى المستشفى , و يكون بجانب أخوه الذي قد يكون اليوم هو يومه الأخير !!

خرج عبدالرحمن من المستشفى بينما بقي فيصل في الداخل بين تلك الأجهزة و الأسلاك التي تحاول إعادة النبض إلى قلبه و جسده .. جلس عبدالرحمن على إحدى كراسي الحديقة و هو يبكي بخوف و بألم شديدين , و قد سحق الصداع كل الأفكار في رأسه , و لكن هناك فكرة واحدة ظلت على قيد الحياة , الاتصال بعادل !

اتصل عبدالرحمن على ذاك التوأم المنسي و بصوت واهن تحدث إليه قائلًا :

" عادل ؟ "

" من معي ؟ "

" إنه أنا , عبدالرحمن "

" آه عبدالرحمن ! , أهلًا .. كيف حالك يا رجل ؟ , لقد مضى وقت طويل لم أسمع فيه صوتك "..

" أنا آسف لاتصالي في هذا الوقت , و لكن ... ! ".. تحدث عبدالرحمن و قد تحشرج صوته من أثر البكاء ..

" عبدالرحمن , ما بال صوتك ؟! أأنت بخير ؟ "..

نزلت دموع عبدالرحمن قائلًا :" عادل , إن أخوك .. فيصل ! "..

وقف عادل و قد كان مستلقي على سريره و هو يصرخ بصدمة من ذكر أخيه , الذي انقطعت كامل أخباره منذ 7 سنوات :

" فيصل ؟! .. ماذا عنه ؟! أتعرف أين مكانه ؟! تكلم يا عبدالرحمن , ماذا أصاب فيصل ؟! "..

" لــقـ لقد أصيب بــ .. أصيب بنوبة قلبية حادة ! .. لا أعرف إن كان سيموت على أثرها أم لا ! .. و لكن عليك المجيء أرجوك ! .. قد يكون اليوم هو يومه الأخير ! "..

" عبدالرحمن أين هو الآن ؟! "..

" إنه في المستشفى المجاور لمنزلي .. أرجوك لا تتأخر , كن بجانبنا ! "..

" حسنًا حسنًا , لن يستغرق مجيئي ثواني ! "..

خرج عادل راكضًا من المنزل و راكبًا سيارته التي انطلقت بأقصى سرعتها نحو أخيه .. و هو يفكر بفيصل و المرة الأخير التي رآه فيها ! .. و كل تلك الجهود التي بذلها للبحث و التقصي عن أخيه دون علم والده ! .. و لكنه لم يستطع أن يعرف طرف خيط على مكانه ! .. و الآن و بعد 7 سنوات , يأتيه هذا الخبر الصاعق بسقوط أخيه بنوبة قلبية ! .. 

وصل إلى المستشفى و جلس لبضعة دقائق داخل سيارته و هو غارق في تفكيره , و قد بدأت الشمس ترمي بخيوط الصباح الأولى :

" ماذا إن لم يكن فيصل يود مقابلتي ؟ .. ماذا لو نجا من هذه المصيبة و رفض أن أكون بجانبه لأسنده في محنته ؟ هل سيسامحني على ما اقترفته بحقه ؟ و لكني تسببت بضياعه قبل عدة سنين مضت ! .. لقد سكت عندما كان يجدر بي الكلام و الوقوف معه ضد جبروت أبي و ظلمه ! .. هل سيسامحني فيصل ؟ .. ماذا إن كان سيموت الليلة ؟ ماذا إذا رحل عن الحياة و لم أره و أطلب السماح منه و أقبل جبينه ؟! .. ماذا إن ارتحل الحياة و قلبه مكسور إلى الآن ؟ هل سيسامحني ؟ .. لا عليّ منه ! .. سأظل بجانبه حتّى و إن اضطر لضربي و إخراجي بالقوة من المستشفى و من حياته بأكملها ! .. سأظل بجانبه ليرتاح ضميري .. لن أتركه وحده حتى و إن رفض أن يغفر لي صمتي ! "..

نزل عادل إلى المستشفى و قد لمح وجهًا يعرفه جالسًا على الكراسي الخارجية , فركض نحوه صارخًا :
" عبدالرحمن ! .. أهذا أنت ؟! "

نهض عبدالرحمن بسرعة متوجهًا إلى عادل و قال :

" نعم , لا وقت للسلام الآن , لنذهب إلى أخيك حالًا ! "..

دخل الاثنان إلى قسم الطوارئ , و مع كل خطوة يخطوها عادل , كان قلبه ينبض بشدة و خوف .. و ما أن وصل إلى غرفة أخيه , حتى انعقد حاجباه و احمرّ أنفه معلنًا بدأ نزول دموعه , استند بيده على الباب وهو ينظر إلى الأطباء الذي ينعشون ذاك القلب الكسير الشاب ! .. و مع كل مرة يصعقونه فيها , كان عادل يغمض عينه بانتظار صوت دقّات قلب فيصل لتظهر على الجهاز , و بعد عدة محاولات لإنعاشه , و مع استمرار عادل بإغماض عينيه , سمع الجميع أخيرًا ذاك الصوت الدال على الحياة و الخارج من الجهاز الموصول بقلب فيصل ! ..

صرخ عادل و عبدالرحمن بـ : الحمد لله يارب ! .. و خر عادل ساجدًا و هو يجهش بالبكاء و التحميد .. بينما نزل عبدالرحمن بجانبه وهو ساجد يحمد الله على الحياة التي أعيدت إلى صديقه ..

هنأ الأطباء الشابين اللذان وقفا عند الباب و قد مزقت الابتسامة شفتيهما .. و توجها نحو فيصل يحدقان فيه بسعادة , أمسك عادل يد أخيه و هو يقبلها و يبكي بهدوء و بابتسامة صادقة :

" الحمد لله على سلامتك , فيصل , استيقظ أرجوك , استيقظ و قل لي أنك ستفسح لي مجالًا في حياتك التي أعيدت لك للتو .. قل لي بأنك لا تحمل أي ضغينة نحوي ! .. استيقظ فيصل , لقد أمضيت 7 سنوات بدونك ! .. هذا ليس وقت للنوم , استيقظ و تحدّث إلي ّ ! "..

سحب عبدالرحمن عادل الذي بدا متأثرًا بشدة لما جرى لأخيه , و أخذه نحو الكرسي ليرتاح و قال له :

" اهدأ يا عادل ! .. سيستيقظ خلال بضع ساعات , ابقى هنا و انتظره , لا تضغط كثيرًا على نفسك "..

هز عادل رأسه قليلًا ثم قال :" شكرًا , لقد فعلت الكثير يا عبدالرحمن , لقد كنت أظن بأننا سنموت قبل أن نلتقي مرة أخرى , لقد جمعتنا , لن أستطيع أن أوفيك حقك ! "..

" لا عليك , لا داع لهذه الرسميات , نحن أصحاب منذ الصغر , كيف لي أن أتجاهل أمركم ؟ "

ابتسم عادل لصديقه و قد صمت قليلًا ثم قال :" أين كان ؟! "..

ارتبك عبدالرحمن لهذا السؤال ! .. و قال و هو يهدئ نفسه :" سـ سأخبرك بكل شيء , و لكن دعني أحضر بعض الماء لكلينا , لقد جف حلقي في الدقائق التي مضت " ..

خرج عبدالرحمن من الغرفة ليجلب بعض الماء و هو يفكر بأكاذيب ليقنع بها عادل أن فيصل لم يكن في منزله , فقد قام عبدالرحمن قبل 7 سنوات بمساعدة عادل في البحث عن أخيه و هو يتظاهر بذلك ! .. 

حتّى لا يعلم أحد بمكانه و تتصاعد الشكوك نحو عبدالرحمن نفسه .. لم يكن يظن أن فيصل سينجو من هذه المصيبة , و لكنه قد شفي الآن و قد يخبر أخاه بكل شيء أو لا شيء ! ..

عاد عبدالرحمن إلى الغرفة وهو يسحب كرسي بالقرب من عادل وهو يقول :

" لقد كان الأمر مفاجئ لي ! .. فلقد كنت في طريق عودتي من الخرج إلى الرياض , و قبل الوصول للمنزل , تلقيت اتصالًا مجهولًا ! .. فقد كان من رجل يسكن شقة مجاورة لشقة فيصل في إحدى العمائر القريبة من هنا .. و قد قال بأنه وجد فيصل مصابًا بنوبة قلبية حادة , فقام بإحضاره إلى هنا و قد أحضر هاتف فيصل معه و وجد رقمي فيه , فاتصل بي للحضور , و أنا استدعيتك بعد ذلك "..

تنهد عادل قائلًا :" سبحان الله ! .. لقد أمضينا أيام و شهور للبحث عنه .. و الآن نلتقي به عن طريق رجل غريب لا نعرف اسمه حتى "..

" نعم , لم يكتب الله لنا أن نجده في ذاك الوقت "..

" الحمد لله على كل حال "..


**********


أمضى عادل ساعتين بجانب أخيه , و قد طلع الصباح و أشارت الساعة إلى السابعة و النصف , فنهض للوقوف بجانب رأسه فيصل و قد انحنى ليقبل جبينه بهدوء و هو يقرأ عليه أذكار الصباح , و ما لبث طويلًا حتى رأى فيصل قد بدأ يقطب جبينه بضيق و يأن بألم , و لكنه ارتخى مرة أخرى و عاد للنوم , اقترب عادل مرة أخرى منه وهو يهمس ممازحًا توأمه :

" فيصل , لم تكن تحب النوم هكذا عندما كنّا صغارًا , لم انقلب حالك أيها الكسول ؟! "..

و لكن عادل انصدم عندما رأى ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتي أخيه , ضحك عادل لما رآه و هو يقول :

" فيصل ؟ هل تسمعني ؟! "..

فتح فيصل عينيه بهدوء وهو يحدّق في عيني أخيه , و عاد لإغماضها بهدوء قائلًا :

" لماذا جئت إلى هنا ؟! "..

" أتـــــــ♥️̨̥̬̩ــــيـــت♥️̨̥̬̩ من أجلك .. لم أكن لأتركك مهما حصل ! "..

تنهد فيصل بألم و هو ينظر إلى أخيه قائلًا بهمس :" هل حقًا كنت تبحث عني ؟ بعدما خرجت من المنزل في ذاك اليوم ؟ "..

ابتسم عادل وهو يقترب من أخيه و يقول :

" نعم , لقد بحثت عنك حتّى تورّمت قدماي , لم أترك مكانًا و لا زاوية لم أبحث فيها , و كأني أبحث عن إبرة و ليس بشرًا ! .. لم أترك قسمًا في الشرطة لم أقدم بلاغًا فيه ! .. كنت أريد أن أعتذر لك .. و أقف بجانبك , حتى و إن لم تغفر لي , أريد أن أظل واقفًا بجانبك حتى النهاية ! "..

سكت عادل وهو ينتظر ردًا , و لكن لم يكن هناك سوى نظرات فارغة من عيني فيصل المرهقة و الذي سرعان ما عاد إلى النوم و كأنه لم يسمع شيئًا ! ..

عاد عادل للجلوس وهو يقول لنفسه بأنه سيظل ينتظر غفران أخيه حتى آخر يوم في عمره , فإن خسره في يوم من الأيام , فلن يستطيع أحدًا في العالم أن يعوضه خسارته ! ..

غفا عادل على الكرسي و قد أشارت الساعة إلى الثامنة صباحًا , فلم يلبث عادل طويلًا حتى باغته صوت هاتفه باتصال , رفع هاتفه و رد بسرعة :

" نعم ؟ "

" عادل أين أنت ؟ من المفترض أن تكون في الشركة قبل ربع ساعة من الآن ! "..

" أبي ؟ .. " ارتبك عادل من صوت والده , و لكنه كان مصرًّا على البقاء بجانب أخيه :" أنا , أنا لن أستطيع المجيء ".. 

" ماذا تقصد ؟ .. لقد أوكلت إليك اليوم اجتماعين مهمين ! .. كيف لك أن تتغيب هكذا ؟! .. لم يجدر بي أن أعطي ثقتي لشخص في عمرك ! "..

" أبي أن لا تفهم وضعي , لقد حصل أمر طارئ للغاية ! ".. كان عادل يود لو يستطيع أن يخبر والده مباشرة بكل شيء .. 

" ماذا حصل ؟ و أين أنت الآن ؟! "..

" أنا .. أنا مع ... " سكت عادل قليلًا ثم قال :" أنا مع فيصل "..

" فيصل ! .. من هذا أيضًا ؟ "..

" أبي , إنه فيصل , أخي ! "..

كان عادل يستطيع الإحساس بصدمة أبيه من صوت أنفاسه التي توقفت فجأة .. ثم قال بغضب :

" أنت مع فيصل ؟ ماذا تفعل معه ؟ هل لا يزال ذاك العاق حيًا إلى الآن ؟ "..

صرخ عادل مدافعًا عن أخيه :" أبي , لقد تعرض فيصل لنوبة قلبية و كاد أن يموت على أثرها , أعلم بأنك لن تنسى ما فعله أبدًا , و لكن أنا سأنسى , و سأظل واقفًا معه في مصيبته مهما حصل ! "..

سكت والد عادل – حمد – لثواني , ثم قال بحزم :

" لن أطيل الحديث معك , و لكن سأعطيك 5 دقائق فقط لتأتي إلي , و إن لم تفعل , فسأعتبرك مثل أخيك تٌـٌـمـــ༄༅ـٌـٌإأإآمـًا .. لا أكترث إن مرض فيصل أو مات ! .. لأنه لم تعد هنالك علاقة تربطنا به ! .. تذكر يا عادل , 5 دقائق فقط "..

" أبي , ما الذي تتحدث عنه ؟ ألم يحن الوقت لتنسى ما حصل , لقد مضت 7 سنوات ! .. و أجزم بأن فيصل قد أصبح شخصًا أفضل , تذكر أنك لم تعطه فرصة واحدة حتى ليتعدل سلوكه ! أنا لم أعد إليه برغبتي , بل لأنه كان على وشك الموت دون أن يكون هنالك أحد و لا ظلال بجانبه , أظن بأن الوقت حان لننسى يا أبي , علينا أن ننسى لنعيش ! "..

" عادل , أخوك تخطى كل الحدود التي وضعتها لكم , و جلب لي العار و لك أيضًا ! .. لقد فعل أشنع ما يمكننا تصوره .. لا أظن أنه يستحق فرصة أخرى "..

" أنت لم تعطه فرصة أولى حتى تعطيه أخرى ! "..

" عادل ! ".. صرخ حمد .. :" لقد مضت دقيقة حتى الآن , من الأفضل لك أن تأتي , و إلا ... "

تنهد عادل بحيرة من أمره , فلم يكن يريد خسارة والده أو أخوه , فقال بهدوء :" حسنًا , هدأ من روعك , سآتيك حالًا "..

أغلق عادل هاتفه وهو يتوجه إلى فيصل و ينحني ليقبل جبينه قائلًا :

" سأعود , سأشحذ الدقائق و الثواني لأزورك و أطمئن عليك , كن بخير أرجوك ! "..

و ما أن رفع رأسه حتى رأى عبدالرحمن يدخل الغرفة و بيده بعض الطعام للإفطار , قال عادل :

" عبدالرحمن , علي الذهاب الآن , سأعود متى ما استطعت "..

" لماذا ؟ هل حصل شيء ؟ "..

تنهد عادل وهو يقول :" لقد علم والدي بالأمر , و لا يريدني أن أزور فيصل أو حتى أراه ! "..

" لا يزال غاضبًا منه أليس كذلك ؟ "..

" نعم , و لكنني ظننت أن قلبه سيلين عندما يعلم بما حصل لابنه , و لكن ذلك لم يزده سوى قسوة ! .. أنا ذاهب الآن , سأتصل عليك عندما يتسنى لي الوقت , و ربما أزوركم من وقت لآخر دون علم والدي ".. سكت عادل لبرهة ثم قال :

" سيظل يعاملني كالطفل ! .. حتى و إن أصبحت في الأربعين من عمري ! "..

خرج عادل متوجهًا إلى أبيه .. محاولًا بشتى قدراته أن يرضي الطرفين ..

كان عادل قد أخبر عبدالرحمن بالقصة كاملة قبل 7 سنوات عندما قرر أن يستنجد به للبحث عن فيصل , أما باقي أصحابهم , فقد أعطاهم عادل رواية أخرى عن أخيه حتى لا تتشوه صورته في أعينهم و أثناء بحثهم عنه ! .. فقد اختصر القصة بالقول أن هنالك نقاش حاد دار بينه و بين توأمه , جاعلًا فيصل يخرج غاضبًا من المنزل , و نحو وجهة مجهولة ..!

يتبع ... 

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
لماذا ارى ملاكاً وسط جحيمي..... للكاتبهـ عذاري
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 5 من اصل 7انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الملوك  :: القسم الثقافي و الأدبي العام ودردشة القلوب :: القصص والروايات والحكايات-
انتقل الى: